معجزة التصدير المغربية تخفي وجهاً مظلماً… كيف حولت اتفاقيات التجارة الحرة الفلاحين الصغار إلى ضحايا منسيين في “مغرب بسرعتين”؟!

أريفينو.نت/خاص
بفضل سياستها القائمة على التبادل الحر، نجح المغرب في ترسيخ مكانته كجسر اقتصادي حيوي بين أوروبا وإفريقيا. لكن في الوقت الذي تبدو فيه نتائج هذا التوجه واضحة في قطاع الصناعة، يكشف الواقع في القطاع الفلاحي عن تناقضات صارخة تثير تساؤلات عميقة حول مدى استفادة جميع المناطق من هذه السياسة.
**صناعة مزدهرة.. وفلاحة منقسمة!**
في مقال تحليلي حديث، سلطت “مؤسسة فريدريش ناومان” الضوء على التأثير المحلي لاتفاقيات التبادل الحر التي أبرمها المغرب، والتي يتجاوز عددها اليوم 54 اتفاقية تشمل أوروبا وإفريقيا والأمريكتين. وأكد التقرير أن هذه الاتفاقيات كانت بمثابة حافز مباشر للاستثمار الأجنبي والتحديث الصناعي. وتشير أرقام مكتب الصرف إلى أن حصة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي قفزت من حوالي 59% عام 2000 إلى ما يقرب من 79% عام 2019. وقد تحولت المملكة إلى قطب استراتيجي لصناعة السيارات، حيث ينتج مصنع رونو-نيسان بطنجة وحده 400 ألف سيارة سنوياً، مما رفع صادرات القطاع من 300 مليون دولار إلى 14.2 مليار دولار.
ولكن هذه السياسة، بحسب المؤسسة، كانت “سلاحاً ذا حدين”. ففي حين ازدهرت المناطق الصناعية الحضرية والساحلية، ظلت المناطق القروية والداخلية على هامش هذا التطور.
**عمالقة التصدير في مواجهة صغار الفلاحين!**
يلاحظ التقرير أن النمو الاقتصادي الناتج عن هذه الاتفاقيات يتركز جغرافياً في المناطق الساحلية. فعلى الرغم من زيادة الصادرات الفلاحية، إلا أن هذا النمو تقوده بشكل أساسي المجموعات الصناعية الزراعية الكبرى المتمركزة في المناطق السقوية مثل سوس-ماسة والداخلة واد الذهب. وفي المقابل، وجدت المؤسسة أن “عمالقة الصناعات الغذائية يهيمنون على غالبية الصادرات، بينما يعاني صغار المزارعين، الذين يمثلون 80% من اليد العاملة الفلاحية، من التهميش، مما يوسع الشرخ داخل القطاع الفلاحي نفسه”.
ويعيش في المغرب حوالي 1.4 مليون فلاح صغير، يوجد الكثير منهم في مناطق معزولة، جبلية أو شبه قاحلة مثل بني ملال-خنيفرة أو أزيلال، ويظلون مستبعدين من دوائر التصدير لغياب البنيات التحتية اللازمة. وتذكر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن “12% فقط من صغار المزارعين لديهم إمكانية الوصول إلى النقل المبرد، مما يؤدي إلى خسائر ما بعد الحصاد قد تصل إلى 30%”.
**وصفة للخروج من “المغرب ذي السرعتين”**
يكشف هذا التركيز الجغرافي لفوائد التجارة عن الأهمية الحاسمة للبنية التحتية الموازية، مثل الممرات اللوجستية وتمويل الصادرات. وترى المؤسسة أن هذه العوامل تلعب دوراً أساسياً “في تحديد المستفيدين الحقيقيين من اتفاقيات التجارة الحرة”. ولتجاوز هذا الوضع، يوصي التقرير بـ”تبسيط ومركَزة حكامة التجارة لجعلها أكثر سهولة”، وتقديم “مساعدات ودعم موجه لصغار الفلاحين” بدلاً من برامج الدعم المعممة.
