“مغاربة رمضان” .. حين حذر العروي من توقف البلاد شهرا كاملا

خلال كل شهر صيام، يتغير سلوك الأفراد في الشارع العام، فيكون السواد الأعظم من الناس أقرب إلى الصمت استسلاماً لوهن الجسم جراء الصوم عن الأكل والشرب لمدة تصل إلى 15 ساعة، فيما صبر آخرين ينفذ ويفقدون أعصابهم في أقرب فرصة تماس مع الآخر.
بين المواطن المُستحضر لقيم شهر الصيام والمواطن الكاتم لغضب غير مبرر يوجد خيط رفيع سهل الانحلال، وإن تم ذلك يقع ما يصفه المغاربة بـ”الترمضين”، ويتجلى في المشاجرات والمشادات التي تظهر طيلة النهار أو في ساعة الذروة التي تبتدئ من وقت العصر إلى موعد الإفطار.
وبالإضافة إلى هذا “الترمضين”، يسود الهوان وضُعف العمل طيلة شهر، وإن كان هذا الأمر مبررا في نظر العديد من الناس بانخفاض نسبة السكريات في الجسم وقلة ساعات النوم والتعب الشديد والجوع، إلا أن هناك من المواطنين من يجدها حجة ويتمادى في “كسله”، خصوصاً من الموظفين.
وإذا كان هناك من يبرر هذه السلوكيات، ففي المقابل هناك من يعتبرها أمراً غير مستحب. وحين طرحنا سؤالا بصفحة على “فيسبوك” حول ما إذا كان “الترمضين” سلوكاً مبرراً أم ظاهرة مفتعلة، أجاب مُعلق باسم أحمد بأنها “ظاهرة مفتعلة لأن الصوم عبادة والعبادة تكون مبتعدة عن كل الشوائب والمبطلات”.
وقال مُعلق آخر باسم عبد اللطيف إن “الترمضين له علاقة بالتدخين وكذلك عدم فهم جوهر الصيام ومقاصده. بالنسبة للكثيرين، الصيام مُجرد عادة اجتماعية ورثوها عن أجدادهم، إننا بعيدون جداً عن تعاليم الدين الإسلامي وقيمه الرفيعة”.
واعتبر معلق آخر باسم عمر أن “الترمضين فعل اجتماعي عفوي وجداني في أدنى مستويات الأفعال الاجتماعية، له أسباب كثيرة، من بينها التباهي والإحباطات وانحطاط في الأخلاق والقيم وضغوط الواقع والعمل، إضافة إلى الصوم بغير اقتناع وجهل بشروط الصوم وأركانه”.
ويستأثر تغير سلوك المغاربة خلال شهر رمضان بتحليل عدد من المفكرين والباحثين، معظمهم ينتقد ذلك لما له من أضرار على السير العام لحياة الناس، خصوصاً حين تتحول مظاهر “الترمضين” إلى جرائم قتل وجرح يروح ضحيتها أبرياء.
وكان المفكر المغربي عبد الله العروي من بين الذين تحدثوا عن سلوك المغاربة في شهر رمضان في الجزء الرابع من كتابه “خواطر الصباح”، الذي أورد فيه أن الوهن الذي يُصيب الناس في تفكيرهم وسلوكهم يجعل الحركة تتوقف في البلاد لشهر كامل.
كان ذلك سنة 2000، يحكي العروي في كتابه قائلاً: “كل من يأتي إلى المغرب أيام رمضان يلاحظ باشمئزاز ما يلحق الناس من وهن في تفكيرهم وسلوكهم. مدة شهر كامل تتوقف الحركة في البلد، لا أحد يود أن يشتغل لأنه يعتقد أن الصوم شغل في حد ذاته، وأن المطالبة بعمل آخر غبن. لا حق لأحد أن يطالبه بأكثر من الحضور وتمضية الوقت، لا الدولة ولا رب العمل ولا الزبون، إذ هو أثناء الصوم في خدمة من هو أعلى من كل هؤلاء”.
ويرى العروي في تحليله أن “معنى هذا السلوك أن العقد الاجتماعي يُفسخ وأن كل فرد يعود سيد نفسه، بل قد يتخيل البعض أنه صاحب سلطة”.
وحكى المفكر المغربي أن أحد الفرنسيين المقيمين في مدينة الدار البيضاء أتى إلى الرباط في مهمة، وكان يقود سيارة ويدخن كعادته، فأوقفه شرطي السير وقال له: ممنوع التدخين في رمضان، فأجاب: أنا فرنسي (يعني غير مسلم)، فطلب منه الشرطي بطاقة تعريفه.
العروي علق على هذه الواقعة بالقول: “كان من حق الشرطي أن يوقف السائق، لأن التدخين داخل السيارة يمثل خطراً، لكنه لم يتصرف على هذا الأساس، تصرف لا كخادم الدولة، بل كنائب عن الله (عبد الله)”. وفي نظر العروي، فإن “تعميم هذا التصرف يؤدي حتماً إلى انحلال الدولة”.
وبالإضافة إلى ما رصده العروي، يؤدي تغير سلوك المغاربة في شهر رمضان إلى حوادث سير مميتة في الشوارع والطرقات ومشاجرات بالسكاكين في الأحياء الهامشية، كما تبرز آثاره السلبية أيضاً في الجانب الاستهلاكي حيث يرتفع مستوى الجشع وينتج بشكل حتمي ارتفاعاً في مستوى الطلب ثم ارتفاعاً في الأسعار.