ملايين السياح في المغرب..القصة الحقيقية؟

في الوقت الذي تواصل فيه “فاطمة الزهراء عمور” وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، الترويج للأرقام القياسية المسجلة في القطاع، معتبرة أن النمو المتزايد في عدد السياح مؤشر على نجاح السياسات المتبعة، تتزايد الانتقادات من داخل الأوساط المهنية والمتابعين، الذين يشككون في مدى انعكاس هذه الأرقام على جودة الخدمات، والأسعار، وقدرة البنية التحتية على مواكبة التدفقات السياحية المتزايدة.
طفرة رقمية أم نجاح حقيقي؟
قبل يومين أعلنت وزارة السياحة، في بلاغ رسمي، أن المغرب استقبل 2.7 مليون سائح خلال الشهرين الأولين من سنة 2025، بزيادة 24% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ووصفت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور هذه الأرقام بـ”الإنجاز البارز” الذي يعكس مكانة المغرب كوجهة عالمية. غير أن هذا الخطاب الاحتفالي يقابله تحفظ من طرف الفاعلين في القطاع، الذين يعتبرون أن التركيز على الأرقام وحدها لا يعكس بالضرورة واقع السياحة الوطنية، حيث لا تزال الأسعار المرتفعة، وضعف التنظيم، وتفاوت جودة الخدمات تشكل عقبات رئيسية أمام تطوير القطاع.
ويشير بعض المراقبين إلى أن هذه الطفرة السياحية ليست بالضرورة نتيجة مباشرة لاستراتيجية الوزارة، بل تعود إلى عوامل خارجية، أبرزها التأثير الإيجابي لصورة المغرب بعد مشاركة منتخبه الوطني في كأس العالم 2022، والاستفادة من الزخم الإعلامي المرتبط بألعاب أولمبياد باريس 2024. ويرى هؤلاء أن الوزارة لم تستثمر بما يكفي في تحسين العرض السياحي، بقدر ما استفادت من دعاية مجانية عززت جاذبية المغرب كوجهة سياحية.
مقارنة غير متكافئة مع الوجهات المنافسة
رغم تسجيل تدفقات سياحية مهمة، يظل المغرب بعيداً عن منافسة جيرانه، مثل إسبانيا، التي تستقطب أعداداً مضاعفة من السياح بأسعار أقل وجودة خدمات أعلى. ويرى فاعلون في القطاع أن المغرب يمتلك المقومات اللازمة لمنافسة الوجهات الأوروبية، لكنه بحاجة إلى مراجعة السياسات التسعيرية، وتعزيز جودة الخدمات، وتوفير بيئة أكثر انفتاحاً لجذب فئات جديدة من السياح.
وفي هذا الصدد، يشير أحد المهنيين في القطاع الفندقي، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، إلى أن “التركيز على الأعداد دون الاهتمام بتجربة السائح وجودة الخدمات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ لا يكفي استقطاب السياح لمرة واحدة، بل يجب ضمان رضاهم وتشجيعهم على تكرار الزيارة”.
أزمة المياه.. تناقض بين السياحة وترشيد الاستهلاك
وسط أزمة الجفاف التي يواجهها المغرب، يثير تزايد عدد السياح مخاوف بشأن استنزاف الموارد المائية، خصوصاً مع ارتفاع استهلاك المياه في المسابح الفندقية وملاعب الغولف، في الوقت الذي يُطلب من المواطنين ترشيد استخدامهم للمياه. ويرى خبراء أن هذا التفاوت يفرض ضرورة التفكير في حلول مستدامة، من بينها فرض “ضريبة تضامنية مائية” على السياح الأجانب، على غرار الضريبة البيئية المعتمدة في بعض الدول الأوروبية، لضمان مساهمة القطاع السياحي في الحفاظ على الموارد الطبيعية للبلاد.
الرقم ليس كافيا.. المطلوب رؤية استراتيجية
ويبقى السؤال الأساسي : هل يمكن اعتبار هذه الأرقام مؤشراً على نجاح مستدام للقطاع السياحي؟ تؤكد المصادر أن التركيز على الكم دون الالتفات إلى الكيف يظل مقاربة قاصرة، إذ لا يمكن الحديث عن نجاح حقيقي دون معالجة الاختلالات التي تعرقل تنافسية السياحة المغربية، سواء من حيث الأسعار، أو جودة الخدمات، أو تطوير البنية التحتية لتواكب هذا النمو.
وتضيف المصادر ذاتها، أن تحقيق طفرة سياحية حقيقية لا يقتصر على تسجيل أرقام قياسية، بل يتطلب وضع رؤية متكاملة تضمن تجربة سياحية متميزة تدفع الزوار للعودة، وإلى حين تحقيق ذلك، ستظل لغة الأرقام أداة ترويجية أكثر منها دليلاً على نجاح القطاع.
