منطلقات من أجل التأسيس للنموذج التنموي الجديد بالجماعات الترابية

اريفينو: مراسلة

يعتبر مفهوم الحكامة من المفاهيم الموضوعاتية التي لازال النقاش والحوار حولها مفتوحا بالنسبة للمجتمعات النامية، لكونه مازال محاطا بكثير من الغموض من حيث ميلاده ونشأته. كما يصعب إيجاد تعريف شامل جامع مانع لمفهوم الحكامة، ولذلك أثيرت حوله عدة نقاشات نظرا لاستعمالاته المتعددة. وعلى سبيل المثال فقد جاء في إحدى التقارير الموضوعية التي شملها تقرير الخمسينية بأن الحكامة هي “ممارسة السلطة السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية، بشكل يضمن تنمية تشاركية ومستديمة، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والبيئية، وذلك من أجل الاستجابة لحاجيات السكان من الخدمات الأساسية، دون تمييز بين الذكور والإناث أو بين الأجناس والأعراق”. ويعرفها أحد الباحثين مع نوع من التدقيق بأنها “كفاءة المجتمعات الإنسانية في التوفر على أنظمة تمثيلية ومؤسسات وقواعد ومساطر ووسائل التقييم والتقدير، ومسلسلات وهيئات اجتماعية قادرة على تسيير الترابطات والروابط بطريقة سليمة”.
ودون الخوض كثيرا في مسألة التعاريف المتعددة والنقاش المثار حولها، فالحكامة الجيدة كمفهوم وآلية جديدة، تعبر عن أحسن ما يمكن بلوغه، وأفضل ما يمكن القيام به في مجال التدبير والحكم بالدرجة الأولى. وتعتبر هي الحالة والوضعية الأفضل التي يمكن الوصول إليها، على جميع الأصعدة والمستويات. وإذا كانت الحكامة الجيدة كمفهوم لم يلق بعد الإجماع على تحديد معناه، فإن الأكيد هنا، هو أنه مفهوم ينبني على مجموعة من الأنساق الفكرية ومن المبادئ الجوهرية والأساسية، المتقاربة فيما بينها، من حيث الوظائف والأهداف والمنطلقات والتي لا شك يحتاجها وسوف يحتاجها أي نموذج تنموي جديد تم تكريسه في المستقبل. ونذكر منها على سبيل الذكر والمثال لا الحصر، الشفافية والمساءلة، والمسؤولية والمحاسبة، والمشاركة والفعالية والنجاعة… وغيرها من المفاهيم والمبادئ الكبرى، بحيث لا يمكن الحديث عن الحكامة المحلية دون استحضارها وتكريسها.
إن جميع مبادئ الحكامة التي تم ذكرها في الحقيقة، هي مهمة وضرورية -في هذا الصدد- ويحتاج إليها النموذج التنموي الجديد خاصة على مستوى الجماعات الترابية في إطار علاقاته وأنماطه وتمظهراته المختلفة. إلا أن هناك من المبادئ ما يظهر أنها أكثر شمولية وتناسبا لتغيير منطق العلاقة السائدة بين الفاعلين العموميين والمتدخلين في التنمية المحلية، ومن ثم لها علاقة وطيدة بمجال التنمية الشاملة والمستدامة على مستوى الجماعات الترابية. وتلك المفاهيم هي الشفافية والمسؤولية والمحاسبة، فبالإضافة إلى كونها تمكن أو بالأحرى تنطوي على تطبيق جميع المبادئ الأخرى، فهي ستؤدي لا محالة -إذا تم تكريسها بنجاح- إلى مراجعة المنطق التقليدي للعلاقة الرقابية الممارسة من الدولة على الجماعات الترابية، لتتحول وتنتقل من الحيطة والحذر المتبادل بين المسؤولين الرقابيين والجماعات الترابية، إلى تفعيل منطق الشراكة والتعاون والاستشارة المتبادلة.
ومن هنا، وإذا كانت الشفافية تعتبر من أولى وأهم المفاهيم في إطار المنظومة المفاهيمية للحكامة الرقابية، فإن تكريس الشفافية يقصد بها العمل على خلق بيئة مناسبة تكون فيها المعلومات المتعلقة بالعلاقات المتبادلة بين طرفي الرقابة (الجماعات الترابية والأجهزة الرقابية) متاحة ومنظورة ومفهومة. ويكون ذلك من خلال توفير المعلومات بشكل أكثر وضوحا، وجعل القرارات المتصلة والمتعلقة بتدبير الشأن العام المحلي معلومة في الوقت المناسب. فالشفافية هي نقيض الغموض أو السرية في العمل، وتعني توفير المعلومات الكاملة عن مختلف الأنشطة المحلية تدبيرا ورقابة، لكل من الصحافة والرأي العام والمواطنين الراغبين في الاطلاع على سيرورة صنع القرار الإداري المحلي منذ الإعداد إلى التقييم، وعن كل ما يتعلق به من جوانب ايجابية أو سلبية على حد سواء دون إخفاء أو تستر.
وبالرجوع إلى الواقع، نجد أن الجماعات الترابية تواجه تحديات عديدة في تطبيق مفهوم الشفافية، حيث يتطلب الوصول إليها الإرادة والرغبة والاقتناع بأهميتها، فضلا عن العديد من الإجراءات العملية الإدارية والقانونية والمالية وغيرها. وإذا كانت الشفافية تتطلب من تلك الجماعات، الإفصاح عن كل ما من شأنه زيادة اطلاع الجهات المعنية بممارسة الفعل الرقابي، على كيفية تدبير شؤونها وتصريف أعمالها وطريقة القيام بجميع وظائفها واختصاصاتها وصلاحياتها قصد تسهيل العمليات الرقابية، فإنها في المقابل تتطلب إفصاح الأجهزة الرقابية المكلفة بممارسة الرقابة -وخاصة الوصائية منها- عن جميع أهدافها ومنطلقاتها وإجراءاتها ومساطرها وممارستها الرقابية. فالأمر يتعلق هنا بواجبات ومسؤوليات متبادلة في تطبيق هذا المفهوم، حيث لا يمكن حصر واقتصار واجب تكريس الشفافية الرقابية على الجماعات الترابية فقط، بل لابد من إلزام الأجهزة الرقابية بذلك أيضا.
وبالإضافة إلى ذلك لابد من تكريس الشفافية في العلاقة القائمة بين طرفي الرقابة من جهة، وبينها وبين الرأي العام المحلي من جهة أخرى، بما في ذلك المواطنين والصحافة، ومؤسسات المجتمع المدني. وجدير بالإشارة في هذا الإطار، أن هناك خطوات أساسية لإرساء مبدأ الشفافية الذي ما يزال مفهوماً غير مستوعَب لدى العديد من الجهات المعنية على المستوى المحلي، وأهمها احترام وتفعيل مبدأ (الحق في الحصول على المعلومات) ومبدأ (من أين لك هذا) ومبدأ (تعليل التصرفات)، وهي مفاهيم ثلاثية لا يمكن الحديث عن الشفافية الإدارية بدونها. أما الانعكاسات الإيجابية للشفافية على المستوى المحلي، فهي كثيرة ومتعددة أبرزها إعطاء صلاحيات وقدرات أكبر للجهات الرقابية المختلفة المندرجة ضمن الرأي العام، لتمارس حقها الرقابي بفعالية ونجاعة. ولكن في المقابل، لا تتيح الممارسات الحالية على المستوى المحلي الحصول على المعلومات، ومن ثم لابد من التركيز في مسألة تكريس الشفافية على الممارسة. حيث مهما نصت القوانين ومها كانت في المستوى المطلوب، فإن واقع الممارسة هو الذي يبقى دائما عصي عن التطويع والإصلاح والمعالجة.
لقد بات من الأمور التي لا جدال فيها، أن ضعف نظم المعلومات والاعتماد على الأساليب الارتجالية العتيقة في العمل بالجماعات الترابية، جعل هناك صعوبة كبيرة في تقديم تلك المعلومات في الوقت المناسب، مما عاد سلبا على إجراءات المحاسبة والرقابة، وهو الأمر الذي ساهم في تفشي الفساد. فغياب الشفافية وتكريس الضبابية في العمل الإداري، هي إحدى أهم الأسباب التي تؤدي لظهور الفساد واستشرائه. والعلاقة ما بين الفساد والشفافية لا مظنة أنها علاقة جدلية عكسية، فكلما زاد الفساد قلت الشفافية، وكلما زادت معايير الشفافية في العمل الإداري، قلت نسبة الفساد. ومن هنا يعتبر تكريس هذا المبدأ بالوحدات المنتخبة من متطلبات الحكامة الترابية، ومن مستلزمات ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الشفافية وباعتبارها تعني تقاسم المعلومات والمكاشفة المتبادلة بين الجماعات الترابية والأجهزة الرقابية الإدارية بالخصوص، ستضمن التدفق الحر والسلس والشامل والموصول للمعلومات، بحيث تصبح متاحة للجميع وتوفر قنوات وإجراءات واضحة لذلك، فيما بين طرفي المراقبة. ومن مقتضيات الشفافية الكشف عن مختلف القواعد والأنظمة والتعليمات واللوائح المعتمدة في وضع وتنفيذ السياسات واتخاذ القرارات، بحيث تسمح فيما بعد بالمحاسبة والمساءلة والتقويم، فالشفافية تقي من الأخطاء ومن الفساد من هذا المنطلق. أو بعبارة أوضح، إذا كانت الشفافية سائدة بين الجماعات الترابية والأجهزة الممارسة للرقابة، بحيث يعمل كلا الطرفين بالعلنية والوضوح التام، فإن المواطن المعني بالتدبير المحلي، والمستفيد منه أيضا، سيكون محاطا علما بذلك التدبير، وبما يجري من حوله من أعمال قانونية ومادية لتصريف شؤونه المحلية.
وفي نفس السياق، نجد أن الشفافية إذا كانت مهمة على المستوى المحلي كدعامة من الدعامات الأساسية للجودة الرقابية، فإنها ليست على قدر واحد من اللزوم والأهمية. ففي المجال المالي وخاصة الجانب الإنفاقي، تعتبر الشفافية من المستلزمات الأساسية لتدبير الشؤون المالية المحلية في ضوء الرقابة الإدارية. ونقصد بالشفافية هنا وضوح موضوع النفقة وسلامة أهدافها وطرق إنجازها، بمعنى إنجاز الإنفاق بكيفية واضحة المعالم تسمح بمعرفة جميع تفاصيلها والتأمل فيها. فشفافية التدبير المالي العمومي تنطوي على تفادي العمليات الضبابية والحيلولة دون ما يسمى “بالنفقات السوداء”، إي إخراج عملية النفقة العامة من الدائرة السوداء الغامضة إلى دائرة النور والوضوح. ولا شك أن الشفافية من هنا ستساهم في تحكم الجماعة الترابية في النفقة العامة بكيفية تراعي مردوديتها وفعاليتها، حيث تكون الإدارة على بينة بأن جميع هفواتها وأخطائها ستكتشف بسهولة -وبالأحرى أفعالها المتعمدة- ومن هنا تتمكن من تصحيحها وتجنب كل ما يعرضها للمحاسبة والمساءلة.
وعلى صعيد آخر، وإذا كان تكريس الشفافية في النسق الرقابي المحلي مسؤولية مشتركة ومتقاسمة بين الجماعات الترابية والأجهزة الرقابية، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة بوصفه مبدأ لتقييم وتقويم إنجازات وتدخلات طرفي الرقابة، والحكم على مدى صحتها ودقتها، ثم مساءلة المسؤولين على الاختلالات والانحرافات التي حدثت نتيجة ذلك. تعتبر أيضا من الضرورات والمتطلبات التي ينبغي ترسيخها بالجماعات التربية على قدر أهمية ترسيخها في الأجهزة الرقابية. أو بعبارة أخرى، ينبغي العمل على تكريس المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إن على مستوى الأشخاص المراقبة (الجماعات الترابية)، أو على مستوى جهات المراقبة (أجهزة المراقبة الإدارية). ونعتقد أن ربط المسؤولية بالمحاسبة تعني امتلاك القدرة على محاسبة (مساءلة) المسؤولين، في حالة الإخلال بوظائفهم ومسؤولياتهم كيفما كانوا. ولعل علاقة المساءلة بالشفافية تكمن في كون الشفافية لا يمكن أن تكون هدفا في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة من الوسائل التي تساعد في عملية المحاسبة والمساءلة، كما أن المساءلة والمحاسبة لا يمكن أن تتم بصورة مناسبة وفاعلة دون بيئة شفافة.
إن المسؤولية والمحاسبة مفهومان مترابطان ومتراصان يشكلان معا أحد مقومات الحكامة الجيدة وذلك بارتباط وثيق ومؤكد مع مفهوم المساءلة. ويحيل مفهوم المسؤولية هنا على كيفية تحمل الواجبات الملقاة على عاتق صناع ومتخذي القرار، والنتائج المترتبة عليها. كما يحيل أيضا على المنطلقات الخاصة باستجواب المسؤولين عن تصرفاتهم، وعدم تركها للعبث والارتجال. أما المحاسبة فقد تتخذ أشكالا متعددة، مختلفة، ومتباينة في الدرجة والمستوى. فقد تكون مجرد تقديم استفسار حول حيثيات اتخاذ قرار ما، أو القيام بتصرف ما. كما قد تكون عبارة عن مطالبة المسؤول بتمكين جهة معينة من معلومات توضيحية، بشأن أعمال أو منجزات أو غيرها. وقد تكون أيضا، عبر تقديم الحساب وإبراز الحصيلة عن مدى تحقيق الأهداف المرسومة والمتفق عليها مسبقا. وعموما تنبع أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، من الدور الكبير الذي قد تلعبه، في دعم كفاءة وفاعلية العمل الرقابي في الجماعات الترابية. حيث في ضوئها يتم قياس وتقيم أداء ومساهمة كل طرف من طرفي المراقبة (الجهات الممارسة والخاضعة للرقابة) في منظومة الحكامة الترابية.
إن ترسيخ الشفافية وتكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة المحلية تقتضي أن يساءل المنتخبون بالجماعات الترابية، عن أعمالهم ووظائفهم في حالة كل اختلال أو انحراف، وأن يساءل العمال والولاة باعتبارهم يمثلون سلطات الوصاية عن الشيء نفسه. كما قد تساءل في بعض الحالات حتى الأجهزة الرقابية الأخرى المتدخلة، كالمفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشية العامة للمالية. فإذا كانت الممارسة قد أثبتت أن مظاهر الفساد أو التقصير المتفشية بالجماعات الترابية كثيرة ومتنوعة ومتعددة، فإن السبب في ذلك لا يعود دائما إلى تلك الجماعات فقط. بل تتحمل سلطات الوصاية أحيانا تلك المسؤولية أو جزء منها، لتقصير أو تجاهل أو تغاض أو توافق أو تعمد أو تشدد في الرقابة أو غيرها. كما تتحمل أحيانا الأجهزة الرقابية الأخرى، قدرا من المسؤولية، لنفس الأسباب أو لغيرها. ولعل مما يؤكد ذلك، هو التساؤل الذي يطرح دائما حول مدى جدوى كل تلك التدخلات الرقابية ذات الصبغة الإدارية، إذا كانت مظاهر الفساد تبقى دائما منتشرة وبكثرة في الجماعات الترابية.
وفي سياق ذي صلة، وإذا كانت القوانين التنظيمية قد جاءت بمقتضيات عملية هامة تستهدف تكريس مبادئ الديمقراطية المحلية وقواعد الحكامة الجيدة في تدبير الشأن المحلي، والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء آليات تشاركية للتشاور والحوار، حيث تحدثت عن هذه المفاهيم في مواقع عدة، فإن الحسم يعود هنا للممارسة ومدى التزامها بتلك المفاهيم خاصة ما يتعلق بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهكذا عموما فقد أصبح لزاما على الدولة المغربية أن تعيد النظر ممارساتيا في المقاربة الرقابية المعتمدة لمراقبة الجماعات الترابية، بحيث لا بد من تحميل المسؤولية لكل من طرفي العملية الرقابية. فعلى سلطات الوصاية مسؤولية، وعلى الجماعات الترابية مسؤولية، وعلى الأجهزة الرقابية الأخرى مسؤولية، فالمسؤولية هنا متقاسمة ومشتركة، ولا ينبغي تحميلها لطرف واحد دون الآخر.
الدكتور عماد أبركان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *