نهاية “العصر الذهبي” للصناعة الأضخم بالمغرب؟

أريفينو.نت/خاص
على مدى عقدين من الزمن، رسخت **صناعة السيارات** مكانتها كأحد الركائز الأساسية للاقتصاد المغربي، بكونها مصدرًا رئيسيًا للوظائف ومحركًا للتصدير. لكن هذه القصة الناجحة تبدو اليوم في مواجهة سلسلة من التحديات، التي تطرح تساؤلات حول استدامة النموذج الذي بُني طويلًا، والرؤية الاستراتيجية التي وجهته.


**أوروبا تدير ظهرها للوقود الأحفوري: هل ينهار نموذج المغرب القائم على محركات الاحتراق؟**
يُعيد انكماش الطلب على السيارات في **أوروبا**، والذي تسارع بفعل التحول نحو **المحركات الهجينة والكهربائية** على حساب محركات الاحتراق الداخلي، خلط الأوراق في نموذج التصدير المغربي، الذي يتركز بشكل شبه كلي على السيارات الحرارية الموجهة للسوق الأوروبية. هذا الاعتماد على منفذ رئيسي واحد، في منطقة جغرافية وحيدة، لنوع من المحركات أصبح في طريقه للتقادم، يُشكل اليوم نقطة عمياء في الاستراتيجية الوطنية، على الرغم من أن إشارات التحول كانت واضحة منذ سنوات، مع تحديد الاتحاد الأوروبي لعام **2035** كموعد نهائي لوقف بيع السيارات الحرارية الجديدة، وإعلان بعض الدول قيودًا مبكرة ابتداءً من 2030. ورغم ذلك، واصل التصنيع المغربي للسيارات توسعه دون إعادة توجيه واضحة نحو القطاعات الكهربائية.


**تراجع “عرضي” أم انهيار “هيكلي”؟ وزير الصناعة يطمئن والواقع يتحدث!**
يُثار تساؤل مشروع: هل الوضع الحالي ظرفي أم أنه خلل في الاستراتيجية طويلة الأمد؟ وهل تراجع مبيعات السيارات في السوق الأوروبية، العميل الرئيسي للصناعة المغربية، مجرد دورة أم أنه عرض لتحول هيكلي؟ في تدخله أمام مجلس المستشارين بتاريخ 3 يونيو 2025، أشار وزير الصناعة والتجارة إلى أن **صادرات السيارات سجلت تراجعًا بنسبة 22%** على أساس سنوي خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام. لكنه أضاف أن هذا التراجع “ظرفي”. ومع ذلك، يبدو أن البيانات تُشير إلى أن انكماش الطلب لا ينجم فقط عن أزمة ظرفية، بل عن تحول في الطلب نحو السيارات الكهربائية، والتي لا تزال الصناعة المغربية بعيدة عن تخصصها فيها.


**أربعة أشهر من التراجع: هل يكفي لقرع ناقوس الخطر؟**
يشدد البعض على أن الحكم سابق لأوانه بناءً على بيانات أشهر قليلة. لكن من اللافت أن نجاحات قطاع السيارات كانت تُحتفى بها بناءً على تقارير شهرية وربع سنوية، واليوم، لا يمكن تجاهل إشارات التراجع المتراكمة. فـ”**نشرة مكتب الصرف**”، المرجع الرسمي لبيانات التجارة الخارجية، وثقت مساهمة سلبية لقطاع السيارات في الميزان التجاري للشهر الرابع على التوالي، مما يُعد كافيًا لتكوين فكرة واضحة عن الاتجاه العام. يتفاقم هذا التراجع تزامنًا مع **انخفاض مبيعات السيارات في فرنسا، متجاوزًا 12% في شهر مايو**، مما يجعل انكماش الصادرات المغربية إلى السوق الأوروبية أمرًا شبه حتمي، وبالتالي تراجعًا خامسًا على التوالي شهرًا بعد شهر. هذه البيانات تستدعي تجاوز القراءة الظرفية والتعمق في أسس النموذج نفسه.


**رهان “أوروبي بحت”: 95% من صادرات السيارات المغربية في سلة واحدة.. هل حان وقت التنويع؟**
تُظهر هيكلة صادرات السيارات المغربية تركيزًا هائلاً على **القارة الأوروبية**، التي تستحوذ وحدها على **أكثر من 95%** من صادرات القطاع في عام 2024. هذا الرقم ليس مجرد حالة ظرفية، بل هو تتويج لمسار ترسيخ تسارع منذ عام 2011، حيث ارتفعت النسبة من 55% في 2010 إلى 87% في 2012، لتصل إلى 95% ابتداءً من 2018. هذا التركيز الشديد يعرض الاقتصاد الوطني لمخاطر بالغة، حيث يُؤثر أي صدمة في السوق الأوروبية مباشرة على الصادرات المغربية، ويُشبه هذا النموذج، من نواحٍ عديدة، اقتصادًا أحادي القطاع في نسخته الجغرافية. وتزداد خطورة هذا الوضع كون قطاع السيارات يمثل أكثر من **34%** من إجمالي الصادرات الوطنية في عام 2024. لذا، فإن تنويع المنافذ، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ليس ترفًا بل ضرورة للأمن الاقتصادي. ومن المثير للتساؤل، أن السلطات تُخطط الآن لتوسيع أسواق الصناعة الوطنية. ورغم أن هذه الرغبة تسير في الاتجاه الصحيح، إلا أنها تُثير تساؤلاً جوهريًا: لماذا لم تُتخذ هذه الخطوة في وقت مبكر؟


**هل ولى “العصر الذهبي”؟ أسئلة “محرجة” عن مستقبل صناعة السيارات بالمغرب!**
ربما حان الوقت لطرح أسئلة “مُحرجة”: هل يشهد العصر الذهبي للسيارات المغربية تحولًا هيكليًا نحو التراجع، أم أنه مجرد تباطؤ ظرفي عابر؟ بعد أكثر من 15 عامًا من النمو والتوسع المستمر، ما هي القيمة المضافة الفعلية التي تُحتفظ بها محليًا وتُقدم من قبل الصناعيين والمشغلين والمستثمرين الوطنيين؟ أين الحديث عن الانتشار المحلي للمعرفة التقنية والصناعية لدى الفاعلين برأس مال وطني؟ ولماذا يُعرض معدل اندماج القطاع بعدد الأجزاء المصنعة محليًا وليس بالقيمة المضافة المُحققة وبالتالي القيمة الاقتصادية التي تبقى في البلاد؟ وإذا أراد المغرب التوجه نحو السيارات الكهربائية، فهل يمكن ذلك بتكرار نماذج السيارات الحرارية، أم يجب إعادة التفكير بعمق في دور الدولة، والمراقبة الاستراتيجية، وتمويل الابتكار، والتعليم العالي، وجودة رأس المال البشري، والانفتاح على شركاء جدد؟


**المغرب والسيارات الكهربائية: هل نطمح إلى “سيارة صغيرة” أم “ثورة صناعية”؟**
إن إنتاج سيارات صغيرة ذات مقعدين بوزن 400 إلى 500 كيلوغرام، مخصصة للاستخدامات الحضرية المحدودة، لا يمكن اعتباره استراتيجية صناعية حقيقية للكهرباء. إذا كان المغرب يطمح للانضمام إلى كبار الدول المنتجة للسيارات الكهربائية، فعليه أن يهدف إلى مستويات أعلى: منصات صناعية متكاملة، دمج تكنولوجي، سلسلة قيمة البطاريات، البحث والتطوير، ورفع مستوى الجودة نحو السيارات الكهربائية والهجينة الثقيلة. الأمر لا يتعلق ببساطة بإنتاج “سيارة كهربائية”، بل بدخول عصر الكهرباء الحقيقي. لقد أظهر المغرب قدرته على التحول إلى مركز إنتاج على المستوى الإقليمي. ويمكنه، في المستقبل، أن يصبح قطبًا للتحول التكنولوجي والابتكار الصناعي. لكن هذا يتطلب الخروج من منطقة الراحة لنموذج قائم على تنافسية التكلفة، والدخول في حالة عدم اليقين الخصبة لرفع الجودة. كما يتطلب عدم الاكتفاء بنجاحات الأمس، بل استشراف تحولات الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *