يناير..من المظاهر ألإحتفالية بكبدانة ( دوار ياث لمنور نموذجا)

بحلول الثالث عشر يناير من كل سنة يحتفل ألأمازيغ في شمال إفريقيا ومنهم المغاربة بحلول
رأس السنة ألأمازيغية التي تصادف هذا العام مرور 2968سنة على بداية ألإحتفال بهذه الذكرى
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التقويم ألأمازيغي يعتبر من بين أقدم التقويمات التي عرفها ألإنسان على مر العصور. فبخلاف التقويم العبري والميلادي والهجري، فإن التقويم ألأمازيغي غير مرتبط بأي حدث ديني أو عقائدي، بل إرتبط حسب المؤرخين بحدث سياسي تاريخي وهو واقعة إنهزام المصرين القدامى أمام ألأمازيغ وإعتلاء زعيمهم شيشونق للعرش الفرعوني.
ومنذ هذا الحدث بدأ ألأمازيغ يخلدون كل سنة ذكرى هذا ألإنتصار العسكري وأصبح ذلك اليوم رأس سنة جديدة حسب تقويم خاص بهم.
إن إحتفال ألأمازيغ اليوم بهذه الذكرى والتي تتزامن مع السنة الفلاحية، لهو تعبير عن حبهم وتشبتهم بأرضهم وخيراتها ويتجلى ذلك في الطقوس المرتبطة بألإحتفال، حيث يتم بالمناسبة إعداد العديد من المأكولات والوجبات التقليدية إضافة الى إحياء طقوس إحتفالية ببعض المظاهر الثقافية.
ولكون هذه المناسبة تختلف من مكان لأخر ومن قبيلة الى أخرى، فإن بمنطقة كبدانة تتخذ طابعا متميزا، إذ يسمى يوم ألإحتفال بإسمه المعروف والوحيد ” ناير” وهو إحتفال يخلد كتتويج لعام كامل من العمل الدؤوب وفرحا بالمحاصيل الزراعية المتنوعة، ويقوم فيه ألأهالي بتحضير الطعام بتنسيق مع أفراد كل دوار على حدى.ولا يقام ألإحتفال به إلا بعد مشاورات جادة في الموضوع، إذ تجتمع العائلات في بيت أحد أقاربها إستعدادا لوضع ترتيبات لهذ الحدث، وبعد ألإتفاق وبالإجماع على اليوم الذي ستعقد فيه المناسبة يتم جمع التبرعات المالية لشراء مستلزمات الحفل خاصة منها اللحم.. أما مكان الحفل فعادة يكون منزلا في ملكية أحد المتطوعين من الأقارب.
يوم الأحتفال:
في الصباح تقوم النساء الطاعنات في السن واللائي كنا يسمين ب ” تفقيرين” بتحضير إوزان – الكسكس- وتتخلل هذه العملية أجواء إحتفالية بهيجة وذلك بإلقاء أشعار تعد بمثابة إعلان عن بداية الحفل. أما الشابات فيتطوعن للقيام بكل خدمة أسندت اليهن كإيقاذ النار وغسل ألأواني
والتفرغ
لتفريش البيوت وتزيينها..
وعند حلول منتصف النهار يموج مكان ألإحتفال بالمدعويين فيجلس الرجال في البيت المخصص لهم في حين تجلس النساء في بيت أخر تجنبا للإختلاط .وبعد مرور ساعة أو ساعتين يستعد الكل لتناول
إوزان. وعلى عكس ما يكون مصحوبا بطقوس ثقافية في مناطق أخرى بهذه المناسبة كإختيار رجل أو إمراة السنة صاحب الحظ السعيد والذي يجد أثناء ألأكل ” بدرة تمر”، فإن عند أهالي دوار ياث لمنور بكبدانة غير ذلك، بل يعتبر من نسي ملعقته ولم يصطحبها معه لأكل الكسكس هو صاحب الحظ السيء لذاك العام، لذا تجد يوم ألإحتفال بناير يصطحب الشباب واليافعين ملاعقهم معهم خوفا من لعنة الحظ وسخرية الحاضرين ومن نسيها يجبر على العودة الى منزله للإتيان بها فورا وأكثرهم سوءا للحظ هو من يقطن بعيدا عن مكان الحفل.. إلا أن في غالب ألأحيان يكون محظوظا بعد أن يفاجأ أن لأل البيت ملاعق إضافية وهنا يشترط عليه أن يظل في خدمة صاحب الدار طيلة الحفل كأن يقدم الماء والطعام للضيوف أو يناول كؤوس الشاي للحاضرين مقابل الفوز بالملعقة الذهبية؟؟
وبعد ألأكل يأتي دور الشاي وعلى إيقاع صراصير الكؤوس يتم إستعراض المواهب الغنائية والفرجوية
من قبل الشباب بعدها يهيء الجميع للرحيل والعودة الى منازلهم . أما الشباب واليافعين فيستعدون للعب بعض ألألعاب مثل ” القام” و” فولش”..ويكون ذلك عادة قبل غروب الشمس.
تحليل أبعاد ورمزية – الملعقة – في الطقس المرتبط بحفل يناير بكبدانة
إن حضور الملعقة في الطقس ألإحتفالي ب “يناير”هنا، لم يأتي صدفة، بل له دلالة رمزية في المخيال الشعبي للمجتمع الكبداني، ويتعلق ألأمر هنا بطقس ألإستمطار أوطلب الغيث الذي يسمى أغنجا.
فأغنجا ممارسة طقسية للمطالبة بالماء في إطار شعائر تروم التقرب من السماء وبالذات من ألإله لغرض إستعطافه ومطالبته بالغيث، فترجم هذا الطقس الى أرض الواقع أثناء ألإحتفال ب “ناير” وذلك من الناحية الرمزية في أبعاده ألأسطورية، خاصة وأن أغنجا يعد رمزا من رموز الخصوبة في طقس الشعيرة ألإستسقائية و نجد له حضور قوي في ألأشعار داخل مراسيمه ومنها مثلا..
يا ربي سروات أمليح = أغنجا إتم ليليح
معطيات ثقافية
إن أي مخالفة صادرة عن أي فرد من أفراد العشيرة يعتبر خيانة في حق الجماعة والقوانين العرفية المنظمة للحياة العامة، فحينما نرى شاب ما يعاقب لمجرد أنه نسي ملعقته يعتقد الكثيرون أنه حكم قاس في حقه، لكن دون أن يعلموا أن هذا السلوك تختفي من ورائه مجموعة من المفاهيم القيمية التي بدورها تتسم بمجموعة من الخاصيات، منها تحمل المسؤولية بشكل ديمقراطي أثناء المصلحة العامة ثم توحيد الجهود في الزمان والمكان لنقل العادة والتقليد للأخرين.. ،دون أن نغفل كذلك أن الذي تدخل في فك معظلة المخالف وذلك بإعطائه ملعقة لا يعتبر مخالفا للعرف، بل هوتطبيق لعرف “التنازل من أجل المصلحة المشتركة” وأكثر من ذلك، هو درس تربوي يهدف من ورائه ترسيخ قيم التسامح في أوساط المجتمع وإعطاء فرص التصويب والتصحيح للأفراد من أجل الحفاظ على روح ألإنتماء للجماعة الواحدة المتمسكة..
نورالدين شوقي باحث في التاريخ والتراث الكبداني.