معتقل ناظوري عائد من غوانتانامو: الحيوانات كانت أفضل منا و المخابرات العربية شيطانية أكثر من الشيطان نفسه

p33عبد الله الدامون
أذكر ‬أنه ‬قبل ‬حوالي ‬عشر ‬سنوات، ‬في ‬ليلة ‬باردة ‬بالعاصمة ‬الرباط، ‬كنت ‬آويت ‬إلى ‬منزلي ‬مبكرا ‬في ‬مدينة ‬تنام ‬قبل ‬الديك، ‬حين ‬جاءتني ‬مكالمة ‬من ‬شخص ‬أعرفه ‬قال ‬لي ‬إن ‬هناك ‬‮«‬همزة‮»‬ ‬صحفية ‬تنتظرني، ‬فقفزت ‬فورا ‬إلى ‬الشارع ‬وهرولت ‬نحو ‬مكان ‬‮«‬الهمزة‮»‬.‬
في ‬المكان ‬المعلوم، ‬وجدت ‬شخصين ‬ينتظرانني ‬إلى ‬جانب ‬الشخص ‬الذي ‬هاتفني.. ‬الرجل ‬الأول ‬كان ‬ببشرة ‬بيضاء ‬ولحية ‬معتدلة ‬الطول ‬وكان ‬يلبس ‬جلبابا ‬أسود، ‬يومها ‬خلته ‬إمام ‬مسجد ‬لأنه ‬كان ‬يتسم ‬بصفات ‬تتراوح ‬ما ‬بين ‬الخجل ‬والحذر؛ ‬أما ‬الرجل ‬الثاني ‬فكان ‬حليقا ‬ويميل ‬إلى ‬السمرة ‬وبدا ‬أنه ‬لايزال ‬يعاني ‬من ‬أشياء ‬لم ‬أتبينها ‬في ‬البداية، ‬قبل ‬أن ‬أعرف ‬أني ‬أول ‬من ‬يلتقي ‬برجلين ‬عادا ‬للتو ‬من ‬معتقل ‬غوانتنامو ‬الأمريكي، ‬ولا ‬أعرف ‬ما ‬إن ‬كنت ‬أول ‬صحفي ‬مغربي ‬حاور ‬معتقلين ‬من ‬معتقل ‬غوانتنامو ‬أم ‬إن ‬أحدا ‬سبقني ‬إلى ‬ذلك، ‬فلا ‬أدعي ‬سبقا ‬لست ‬متأكدا ‬منه.‬
الرجل ‬الأول ‬من ‬الناظور، ‬والثاني ‬من ‬سطات، ‬وقد ‬كانا ‬محظوظين، ‬إلى ‬حد ‬ما، ‬لأنهما ‬كانا ‬من ‬أوائل ‬المغادرين ‬لمعتقل ‬غوانتنامو؛ ‬لكنهما ‬كانا، ‬أيضا، ‬من ‬أوائل ‬المعتقلين ‬الذين ‬تعرضوا ‬لصنوف ‬رهيبة ‬من ‬التعذيب ‬وجدت ‬صعوبة ‬في ‬تصديقها.‬
لم ‬أر ‬أمامي ‬رجلين ‬منهارين، ‬بل ‬خرجا ‬من ‬الجحيم ‬الأمريكي ‬بقليل ‬من ‬الخسائر، ‬رغم ‬أن ‬الرجل ‬الثاني ‬كانت ‬تبدو ‬على ‬ملامحه ‬معاناة ‬أكبر، ‬بل ‬عليه ‬آثار ‬تعذيب ‬رهيبة ‬جعلته ‬يبدو ‬وكأنه ‬خرج ‬توا ‬من ‬قبو ‬تابع ‬للمخابرات ‬العربية ‬وليس ‬من ‬سجن ‬تابع ‬لدولة ‬تسمي ‬نفسها ‬زعيمة ‬العالم ‬الحر.‬
أتذكر ‬أشياء ‬كثيرة ‬تحدثا ‬عنها، ‬بدءا ‬بالتعذيب ‬تحت ‬الشمس ‬وتحت ‬الماء ‬والحرمان ‬من ‬النوم ‬والإطعام ‬بوسائل ‬وحشية، ‬مرورا ‬بتعذيب ‬نفسي ‬يمس ‬معتقداتهما ‬ومبادئهما، ‬وانتهاء ‬بالسخرية ‬والاستهزاء ‬والإكراه ‬على ‬ممارسة ‬عروض ‬التعري ‬الجنسية ‬أمامهم.. ‬وأشياء ‬كثيرة ‬أخرى.‬
وقتها، ‬وجدتني ‬غير ‬مصدق ‬لما ‬يحكيه ‬الرجلان.. ‬أعرف ‬أن ‬أمريكا ‬هي ‬التي ‬أبادت ‬الهنود ‬الحمر، ‬وهي ‬التي ‬استعبدت ‬ملايين ‬الأفارقة ‬وأغرقت ‬ملايين ‬آخرين ‬في ‬مياه ‬المحيط، ‬وأعرف ‬أن ‬أمريكا ‬هي ‬التي ‬قتلت ‬الملايين ‬في ‬أي ‬مكان ‬تغزوه، ‬وأنها ‬هي ‬التي ‬ألقت ‬القنابل ‬الذرية ‬على ‬اليابان ‬التي ‬كانت ‬قد ‬استسلمت ‬أصلا، ‬وأنها ‬هي ‬التي ‬ذبحت ‬الملايين ‬في ‬الفييتنام ‬وغيرها ‬من ‬مناطق ‬الحروب ‬في ‬العالم، ‬وأنها ‬هي ‬التي ‬تتاجر ‬مخابرتها ‬في ‬الكوكايين ‬لتمويل ‬العصابات ‬المسلحة ‬في ‬أمريكا ‬اللاتينية، ‬وهي ‬التي ‬تدعم ‬الانقلابات ‬العسكرية ‬ضد ‬الأنظمة ‬الديمقراطية، ‬وهي ‬التي ‬تقتل ‬أطفال ‬العراق ‬صباح ‬العيد ‬بصورايخ ‬مكتوب ‬عليها ‬‮«‬عيد ‬سعيد ‬يا ‬أطفال ‬العراق‮»‬، ‬وأنها ‬هي ‬التي ‬تجعل ‬الفلسطيني ‬الميت ‬هو ‬المجرم ‬والإسرائيلي ‬القاتل ‬هو ‬الضحية، ‬وأنها.. ‬وأنها.. ‬وأنها.. ‬لكنني ‬لا ‬أفهم ‬لماذا ‬وجدت ‬وقتها ‬صعوبة ‬في ‬استيعاب ‬أن ‬أمريكا ‬تتفوق ‬على ‬المخابرات ‬العربية ‬في ‬أشكال ‬التعذيب.‬
كنت ‬أنظر ‬في ‬عيون ‬المعتقليْن ‬الخارجيْن ‬للتو ‬من ‬جحيم ‬غوانتنامو ‬وهما ‬يحسان ‬بما ‬أستشعره ‬من ‬غرابة، ‬فيبتسمان ‬كما ‬لو ‬أنهما ‬يخففان ‬من ‬روْعي، ‬وأحدهما ‬بدت ‬على ‬جسده ‬آثار ‬تعذيب ‬رهيبة.‬
المعتقل ‬المتحدر ‬من ‬الناظور ‬قال ‬لي ‬جملة ‬بليغة، ‬وهي ‬أن ‬المعتقلين ‬لو ‬كانوا ‬مجرد ‬حيوانات ‬لما ‬لقوا ‬أبدا ‬كل ‬ما ‬لقوه ‬على ‬أيدي ‬السجانين ‬الأمريكيين. ‬أحيانا، ‬كان ‬يقول ‬إن ‬الأمريكيين ‬كانوا ‬يعاملوننا ‬مثل ‬البغال ‬أو ‬الحيوانات ‬عموما، ‬لكنه ‬كان ‬يتدارك ‬ويعدل ‬كلامه ‬لأنه ‬يعرف ‬أن ‬أمريكا ‬لم ‬يكن ‬ممكنا ‬أبدا ‬أن ‬تعامل ‬سجناءها ‬كحيوانات، ‬لأنها ‬تعامل ‬الحيوانات ‬بطريقة ‬أفضل ‬بكثير ‬مما ‬تعامل ‬به ‬البشر.‬
مرت ‬سنوات ‬طويلة ‬على ‬انفجار ‬الجدل ‬حول ‬ما ‬جرى ‬ويجري ‬في ‬معتقل ‬‮«‬غوانتنامو‮»‬، ‬ثم ‬بدا ‬أن ‬العالم ‬نسي ‬الموضوع ‬تماما، ‬فأمريكا ‬تستطيع ‬دائما ‬أن ‬تمارس ‬‮«‬السّماوي‮»‬ ‬على ‬العالم ‬كله، ‬لذلك ‬ينسى ‬الناس ‬سريعا ‬ما ‬تقوم ‬به ‬ويظلون ‬معجبين ‬فقط ‬بالماكدونالدز ‬وكوكا ‬كولا ‬والمارلبورو ‬وسينما ‬هوليوود ‬وقوام ‬نجمات ‬الشاشة.‬
أمريكا ‬ظلت ‬دائما ‬تقدم ‬وجهها ‬إلى ‬العالم ‬بطريقتين: ‬طريقة ‬بشعة ‬من ‬خلال ‬الحروب ‬والمذابح ‬والتصفيات ‬والعمل ‬القذر ‬للمخابرات؛ ‬ووجه ‬البلد ‬الديمقراطي ‬الذي ‬يتزعم ‬العالم ‬الحر.. ‬إنه ‬مزيج ‬ما ‬بين ‬البشاعة ‬المزمنة ‬وما ‬بين ‬تقدمها ‬التكنولوجي ‬الكبير ‬وصنعها ‬لديمقراطية ‬حقيقية..‬ ‬لكن ‬لشعبها ‬فقط.‬
أمريكا ‬تستطيع، ‬أيضا، ‬أن ‬تغتسل ‬من ‬ذنوبها ‬بين ‬الفينة ‬والأخرى، ‬لذلك ‬أصدرت ‬قبل ‬أيام ‬ذلك ‬التقرير ‬الشهير ‬الذي ‬يؤكد ‬وجود ‬حالات ‬التعذيب ‬الرهيبة ‬في ‬معتقل ‬غوانتنامو، ‬وتأكد، ‬بما ‬لا ‬يدع ‬مجالا ‬لذرة ‬من ‬الشك، ‬أن ‬أمريكا ‬تمتلك ‬أكثر ‬من ‬وجه، ‬وأنها ‬تحاول ‬باستمرار ‬أن ‬تعترف ‬بذنوبها، ‬ليس ‬لأنها ‬تخاف ‬الله، ‬بل ‬لأنها ‬تخاف ‬الانهيار ‬المفاجئ، ‬لأن ‬كل ‬الحضارات ‬المتجبرة ‬سقطت ‬بفعل ‬جبروتها، ‬لذلك ‬تحاول ‬أمريكا ‬أن ‬تعطي ‬الانطباع ‬بأن ‬جبروتها ‬مجرد ‬خطإ، ‬مع ‬أنها ‬الدولة ‬الوحيدة ‬في ‬العالم ‬التي ‬قامت ‬ونشأت ‬واستمرت ‬على ‬الخطيئة.‬
رغم ‬كل ‬شيء، ‬هل ‬تستطيع ‬المخابرات ‬العربية، ‬وهي ‬تلميذة ‬المخابرات ‬الأمريكية ‬في ‬كل ‬شيء، ‬وأحيانا ‬تفوقها ‬بشاعة، ‬إصدار ‬تقرير ‬مشابه ‬للتقرير ‬الأمريكي ‬الذي ‬يعترف ‬بتعذيب ‬الناس؟
أبدا.. ‬لو ‬قامت ‬مخابرات ‬البلدان ‬العربية ‬بذلك ‬فسينتحر ‬الشيطان، ‬فالمخابرات ‬العربية ‬شيطانية ‬أكثر ‬من ‬الشيطان ‬نفسه.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *