ملفات من تاريخ الريف و الامازيغ: الحلقة 12: مدخـــل إلى الكتابة الأمازيغية

ينشر بالاتفاق بين أريفينو و الكاتب د.جميل حمداوي عن كتابه ثقافــــــة الأمازيغييـــن وحضارتهــــــم

hamdaoui

مدخـــل إلى الكتابة الأمازيغية

 

حينما نريد الحديث عن اللغة الأمازيغية ، ونجعلها محورا للبحث والدرس، فلابد من التطرق إلى الكتابة الأمازيغية باعتبارها ناقلة للإرث الحضاري الأمازيغي منذ القدم. وهذه الكتابة هي أس الكينونة الأنطولوجية للإنسان الأمازيغي، والمعبر الأيقوني والصوري  الحقيقي عن أفكاره ومشاعره ووجدانه ومخياله الذهني والعقلي والوجداني والحركي. ولابد من تتبع الكتابة الأمازيغية، في تطورها، لرصد خطوطها الأساسية ، بغية معرفة تجلياتها الحضارية والثقافية، واستقراء تطورها على مستوى التدوين والتوثيق لمعرفة تاريخ الإنسان الأمازيغي، واستكشاف منجزاته الفكرية والعملية والإبداعية. وذلك كله لأن الكتابة الأمازيغية تسعف الباحثين والدارسين في التعرف على حضارة الأمازيغيين، والاطلاع على ثقافتهم، وفهم طرائق حياتهم المعيشية، وتبيان سبل تأقلمهم مع الطبيعة التي تحيط بهم، من خلال التوقف عند نقوشها الراسخة في الكهوف والصخور والأحجار والمغارات الموجودة  في الجبال والبوادي والمدن والصحاري، وعبر شواهدها المأتمية، وزخارف الزرابي، وأيضا من خلال ظاهرة الوشم التزيينية …

إذا، ما  الكتابة الأمازيغية؟ وما خصوصياتها اللسنية والأيقونية؟ وما أهم التطورات التي عرفتها هذه الكتابة عبر تاريخ الكينونة الأمازيغية؟ هذه هي الأسئلة التي سنرصدها في موضوعنا هذا.

 

 

@فصيـــلة اللغة الأمازيغية:

 

من المعروف، في فقه اللغة، أن اللغة الأمازيغية أوالبربرية من اللغات القديمة التي تنتمي إلى الفصيلة الحامية إلى جانب المصرية والكوشيتية. ” وقد اصطلح على إدخالها في مجموعة واحدة، مع أن صلات القرابة بينها ضعيفة، ولذلك يعد بعضهم كل فرع منها مستقلا برأسه على حدة.

واللغة البربرية هي في الحقيقة لغة السكان الأصليين لشمال إفريقية(تونس والمغرب والجزائر وطرابلس والصحراء والجزر المتاخمة لها). وأهمها اللغة القبائلية Kabyle   والتماشكية Temachek  ، وهي لغة قبائل التوارج  Touareg( الطوارق).

وأما الكوشيتية فهي لغة السكان الأصليين للقسم الشرقي من أفريقية، وبها يتكلم نحو ثلث سكان الحبشة. وهناك مناطق في الحبشة تتكلم بلغة سامية.”[1][1]

ويذهب الكثير من الدارسين اللغويين، في مداخلاتهم اللغوية، وأبحاثهم اللسانية، إلى أن البربرية متفرعة عن لغات الفصيلة السامية، أما أحمد بوكوس فيرى أنها ” لغة مستقلة من حيث العلاقة الوراثية بالنسبة للعربية الفصحى،إذ تنتمي الأمازيغية إلى مايسمى بفصيلة اللغات الحامية، بينما تدخل العربية ضمن فصيلة اللغات السامية، وإن كانت هاتان الفصيلتان تشتركان على مستوى أعلى في إطار فصيلة الحامية- السامية، وفي الفصيلة الإفريقية – الآسيوية.” [1]

ومن هنا، يتبين لنا بأن هناك من يدرج الأمازيغية ضمن الفصيلة الحامية، ومن يدرجها ضمن الفصيلة السامية، ومن يدرجها ضمن الفصيلة اليافتية، وهناك من يعتبرها كيانا لغويا مستقلا بنفسه .

هذا، فالأمازيغية من أقدم الأبجديات العالمية إلى جانب الأبجدية الهيروغليفية، والأبجدية اليونانية، والأبجدية المصرية، كما أنها من أقدم الأبجديات في أفريقيا إلى جانب الأبجدية الأثيوبية المعروفة بالمروية..

 

@جغرافية اللغة الأمازيغية:

 

تنتشر اللغة الأمازيغية في شمال أفريقيا أو ما يسمى ببلاد تامازغا منذ مالا يقل عن 5000 سنة، كما تدل على ذلك مجموعة من النقوش والوثائق الأركيولوجية . وكانت الرقعة اللغوية الأمازيغية، منذ فجر التاريخ القديم،  ممتدة من حدود سيوة المصرية وشمال السودان شرقا إلى جزر الخالدات في المحيط الأطلسي غربا، ومن الأندلس وصقلية شمالا إلى دول جنوب الصحراء الكبرى، مثل: موريطانيا، ومالي، والنجير، وبوركينافاصو، وتقدر مساحة اللغة الأمازيغية بخمسة ملايين كلم2، وأهم مجموعة أمازيغية  هي التي تستوطن المغرب  الأقصى.[1]

وتوجد اللغة الأمازيغية – اليوم- بكثرة خارج رقعتها الأصلية، في هولندة، وفرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، وإسپانيا ، وجزر الكناريا الإسپانية التي يقطنها الغوانش الذين كانوا يتحدثون بالأمازيغية الكنارية، قبل أن يقضي الاستعمار الإسپاني على اللغة الأمازيغية فيها. ومازال الغوانش يدافعون عن اللغة الأمازيغية، ويسعون جادين إلى إحيائها وبعثها مرة أخرى.

ويشير شارل أندري جوليان في كتابه( تاريخ شمال أفريقيا) إلى دراسة قام بها وليام مارسي توصلت إلى أن ” نسبة الناطقين بالبربرية هي 23 % في ليبيا، و1%  في تونس، و27% في مقاطعة وهران. وقد تجاوزت هذه النسبة 40% في المغرب الأقصى. لكن الأمر لايعدو الفروق اللغوية. فليس هناك خطأ أعظم من الاعتقاد- كما فعله البعض في كثير من الأحيان- في أن التقسيم بين الناطقين بالعربية والناطقين بالبربرية يعكس تقابلا بين جنس عربي وجنس بربري. إن الأمر لايدل إلا على أن اللهجات البربرية استقرت في جهات جبلية أصعب منالا على الغزاة، بينما استسلمت في جهات أخرى إلى لغة أكثر مسايرة للضرورات الاجتماعية.”[1]

ويتحدث بالأمازيغية أكثر من 40مليون نسمة، وهي لغة وطنية في النيجر والجزائر والمغرب، وقد أصبحت لغة رسمية في الدستور المغربي منذ سنة 2011م، بيد أن ليبيا وتونس لم تعترفا بها بعد، ولم تخضعاها للدسترة القانونية والشرعية الرسمية، بل إنها ممنوعة في ليبيا – إبان حكم القذافي- بشكل مطلق، وبصيغة تعسفية.

وتنقسم اللغة الأمازيغية إلى لهجات عدة هي: تامازيغت، وتاريفت، وتاشلحيت بالمغرب، واللهجة القبائلية،  واللهجة الشاوية، ولهجة  بني مزاب، ولهجة بني صالح بالجزائر ، واللهجة الزوارية ، واللهجة النفوسية، و اللهجة الغدامسية، ولهجة أوجلة، ولهجة سكنة بليبيا، واللهجة الطوارقية ببلاد الطوارق المحاذية للجزائر ومالي والنيجر، واللهجة السيوية في مصر. أما في تونس، فيمكن الحديث عن مجموعات ساقية، ومجورة، وسند، وتامزرات، وشنين، ودويرات، وجربة. وتوجد مجموعة ئزناگن أو زناكة في الحدود الموريطانية-السينيغالية.

ويمكن أن نضع تقسيما آخر لانتشار الأمازيغية حسب القبائل، فهناك على العموم  لهجات رئيسية، يمكن حصرها في: اللهجات الزناتية،واللهجات المصمودية، واللهجات الصنهاجية. فاللهجات الزناتية تنتشر بشكل واسع في الجزائر وتونس وليبيا، وتوجد بشكل أضعف في المغرب.أما اللهجات المصمودية، فتوجد بشكل كبير في المغرب الأقصى. أما اللهجات الصنهاجية، فتنتشر هنا وهناك في مناطق محددة في المغربين: الأوسط والأقصى، وفي المناطق الجنوبية المحاذية للصحراء.[1]

[1] – الدكتور صبحي الصالح: دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة، 1981م، ص:43-44.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *