اتفاق مغربي فرنسي لبناء أكبر مركز لتجميع محركات الطائرات في إفريقيا

أريفينو : 8 نوفمبر 2025

يشهد المغرب تحولاً صناعياً غير مسبوق في تاريخه المعاصر، بعد أن أعلن رسمياً عن إبرام اتفاق مع مجموعة “سافران” الفرنسية لإنشاء أكبر مركز لتجميع محركات الطائرات في القارة الإفريقية، باستثمار ضخم يبلغ 350 مليون يورو، وذلك داخل المنطقة الصناعية “ميدبارك” بالنواصر قرب الدار البيضاء.

ويمثل المشروع الذي وصفه وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بأنه “ثمرة 26 سنة من الرؤية الصناعية المتواصلة تحت قيادة الملك محمد السادس”، خطوة استراتيجية لترسيخ موقع المغرب كقوة صناعية وتكنولوجية صاعدة في العالم.

وبفضل هذا المشروع، ينتقل المغرب من مجرد تصنيع مكونات وأغطية محركات الطائرات إلى إنتاج المحرّك كاملاً، بما في ذلك الأجزاء “الساخنة” المعقدة التي تتطلب خبرة متقدمة في علم المعادن الدقيقة والميكانيكا الحرارية. وهو ما يضع المملكة ضمن نخبة الدول القليلة عالمياً التي تمتلك القدرة على تجميع محركات الطائرات التجارية بالكامل.

وسيُخصص المركز الجديد لإنتاج وتجميع محركات LEAP-1A، التي تُستخدم في طائرات إيرباص A320neo، وسيضم أيضاً منشآت للصيانة والإصلاح.

وباكتماله بحلول عام 2030، سيوفر المشروع نحو 900 وظيفة مباشرة عالية الكفاءة، مع طاقة إنتاجية تصل إلى 350 محرّكاً سنوياً، إضافة إلى صيانة 150 محرّكاً في السنة.

وتربط المغرب ومجموعة “سافران” علاقة تعاون صناعي تمتد لأكثر من عقدين، جعلت من المملكة مركزاً إقليمياً لصناعة الطيران.

وتعتبر المجموعة الفرنسية أحد أعمدة التحول الصناعي المغربي، إذ تشغل اليوم عدة مصانع لإنتاج مكونات الطائرات وأنظمة الأسلاك والمعدات الميكانيكية، وهو ما جعل وزير الصناعة يؤكد أن المغرب لم يعد “ينتج في بلده فقط، بل ينتج مع العالم وللعالم”.

أما رئيس مجلس إدارة مجموعة “سافران”، روس ماكنيس، فقد أشاد في تصريح بالمناخ الاستثماري المغربي قائلاً: “نحن لا نُنتج في المغرب، بل نُنتج مع المغرب؛ فاستقراره ورؤيته يجعلان منه شريكاً استراتيجياً في مستقبل صناعة الطيران العالمية.”

ويرى المراقبون أن هذا المشروع يرمز إلى التحول العميق في البنية الاقتصادية المغربية، إذ لم يعد الهدف مجرد تجميع المنتجات الأجنبية، بل الانتقال إلى الابتكار والإنتاج الكامل، عبر تعزيز البحث الصناعي، وتكوين الكفاءات، وربط الصناعة بالطاقة النظيفة.

وقد استطاع المغرب خلال السنوات الأخيرة مضاعفة صادراته الصناعية، لتبلغ 21.8 مليار درهم في 2024 في قطاع الطيران وحده، بنسبة نمو فاقت 17% مقارنة بالعام السابق.

وبإطلاق هذا المركز، يرسخ المغرب موقعه كـ أول قوة صناعية جوية في إفريقيا، ويؤكد قدرته على منافسة الاقتصادات الصاعدة في العالم.

كما يعزز المشروع مكانة المملكة كـ حلقة وصل أساسية في سلاسل التوريد العالمية للطيران، خاصة مع موقعها الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، واستقرارها السياسي والاقتصادي الذي جعل منها وجهة مفضلة للاستثمارات ذات التقنية العالية.

ويمثل مشروع “سافران” بالنواصر أكثر من مجرد استثمار صناعي؛ إنه إعلان عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التموقع الاقتصادي العالمي، حيث تلتقي التكنولوجيا بالسيادة الصناعية، والطموح بالواقعية.

فمن مصانع السيارات إلى محركات الطائرات، يبرهن المغرب أنه لا يكتفي بمواكبة الثورة الصناعية الجديدة، بل يسعى ليكون أحد مهندسيها من قلب إفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *