ارتفاع أسعار العقار وسومة الكراء بالمغرب

أريفينو.
تشهد كبريات الحواضر المغربية موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار العقار أدت إلى إحداث شرخ عميق بين القدرة الشرائية للمواطنين وبين تكلفة الولوج إلى السكن، حيث باتت الطبقة المتوسطة تجد نفسها خارج حسابات السوق العقاري في مدن كالرباط والدار البيضاء ومراكش.
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن التوسع العمراني لم يعد قادرا على استيعاب الطلب المتزايد في ظل ندرة الوعاء العقاري وتضاعف أسعار مواد البناء، وهو ما حول السكن من حق اجتماعي أساسي إلى استثمار مالي بعيد المنال يرهق كاهل الأسر ويفرض عليها هجرة قسرية نحو الضواحي البعيدة بحثا عن بدائل سكنية لا تزال تحافظ على مستويات سعرية مقبولة نسبيا.
ويرجع الخبراء هذا الاختناق السعري إلى تداخل عوامل بنيوية وظرفية ساهمت في تعقيد المشهد العقاري بالمملكة، إذ لم يعد الارتفاع مرتبطا فقط بتكلفة اليد العاملة أو المواد الأولية بل امتد ليشمل هيمنة الصبغة الاستثمارية على الوحدات السكنية الموجهة أصلا للسكن المدني.
وتسبب اتجاه كبار المنعشين والمستثمرين نحو تحويل الشقق إلى وحدات للكراء اليومي عبر المنصات الرقمية في تقليص العرض الموجه للاستقرار الدائم، كما تبرز ظاهرة ما يعرف بـ”النوار” كعائق مالي إضافي يفرض مبالغ غير مصرح بها تتجاوز أحيانا قدرات التدبير المالي للأفراد وتجعل من الشفافية في المعاملات العقارية مطلبا ملحا لضبط فوضى الأسعار.
وتواجه العاصمة الرباط تحديا استثنائيا يتمثل في ضيق المجال الجغرافي المخصص للبناء مما جعلها مدينة طاردة للفئات الهشة والفقيرة نحو مناطق كعين عودة وتمارة والصخيرات، وهي المناطق التي بدأت بدورها تشهد ضغطا عمرانيا رفع من قيمتها السوقية إلى مستويات تضاهي مراكز المدن.
وتكشف التقارير أن غياب المراقبة الصارمة على هوامش ربح المنعشين العقاريين جعل من منظومة الدعم الحكومي الموجه للسكن تفقد الكثير من فاعليتها، إذ يتم امتصاص هذا الدعم عبر الزيادات المتتالية في الأثمنة المعلنة مما يضع الشباب في مواجهة مباشرة مع أزمة سكنية حادة تؤثر على استقرارهم الاجتماعي وتطلعاتهم المستقبلية.
ويتطلب الخروج من هذه الدوامة العقارية، وفقا لخبراء في المجال، صياغة سياسات عمومية متكاملة تتجاوز منطق الدعم المالي المباشر لتشمل تدابير زجرية ومراقبة دقيقة لممارسات البيع والشراء.
ويبرز حل الربط السككي السريع وتطوير البنية التحتية للنقل كضرورة قصوى لتشجيع الساكنة على الانتقال للمناطق المحيطة بالمراكز الكبرى مع ضمان تقنين الأسعار في هذه المناطق الجديدة لتفادي تكرار سيناريو المضاربات.
كما يظل تدخل الدولة لضبط سقف الأسعار وتحديد المناطق السكنية بناء على معايير القدرة الدخلية للمواطنين هو السبيل الأمثل لضمان توازن السوق العقاري وحماية السلم الاجتماعي من تداعيات التضخم الذي طال الجدران قبل الأقوات.