“التهديد المغربي” في إسبانيا: بين الواقع الاستراتيجي وصناعة الخطاب.

أريفينو : 02 ماي 2026
يكتبها : الدكتور / الحسن بلعربي.

تنامى في الفترة الأخيرة، وبشكل خاص على شبكات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية المحسوبة على اليمين المتطرف وشريحة مهمة من اليمين المعتدل في إسبانيا، خطاب محوره الأساس التعبير وبشكل مبالغ فيه عن القلق أو “الانزعاج” من المغرب، وبل وتعدى ذلك في العديد من الأحيان ليقدم المغرب باعتباره يشكل “خطرا محتملا ” ولم لا “داهما” على إسبانيا، وذلك عبر ربط المغرب بقضايا مثل الهجرة غير النظامية، وأمن الحدود، والتوترات المرتبطة بسبتة ومليلية. ورغم ذلك يظل هذا الخطاب محط جدل كبير، إذ بني في عمومه على قراءات انتقائية أو ظرفية للأحداث، وهو ما يفرغه من أي بعد استراتيجي شامل.
وفي هذا السياق، أصبحت التوترات داخل الساحة السياسية الإسبانية تقتات وبشكل أساس عاى العلاقة مع المغرب، الذي تعدى كونه مجرد ملف على أجندة الخارجية الاسبانية، ليتحول تدريجيًا إلى عنصر متكرر الحضور في الصراع الداخلي بين الحكومة والمعارضة. وقد ظهر هذا بوضوح بعد أزمة أبريل–ماي 2021، التي اندلعت عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو لتلقي العلاج، ثم تفاقمت مع دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى مدينة سبتة يومي 17 و18 ماي من السنة نفسها.
وجاء التحول الذي شكل منعطفا حاسما في هذه العلاقات، عندما عبّر رئيس الحكومة الإسبانية السيد بيذرو سانشيز يوم 18 مارس 2022 في رسالة موجهة إلى جلالة الملك محمد السادس عن دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، واعتبرها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية نزاع الصحراء. لم يكن هذا الموقف مجرد تعديل دبلوماسي بسيط، بل إعادة تموضع استراتيجية تعكس اعتبارات أوسع مرتبطة بالاستقرار الإقليمي، وإدارة الهجرة، والتوازنات داخل الاتحاد الأوروبي.
وبعد هذا التحول، أعيد إطلاق مسار التعاون الثنائي، وتُوِّج بعقد الاجتماع رفيع المستوى في الرباط يومي 1 و2 فبراير 2023 بعد انقطاع دام ثماني سنوات، حيث تم توقيع حوالي عشرين اتفاقية في مجالات عدة.
ورغم هذا التطور الإيجابي على المستوى المؤسساتي، برز في إسبانيا خطاب سياسي وإعلامي أكثر حدة، خاصة داخل اليمين واليمين المتطرف، يقدم المغرب أحيانًا كـ“خطر جيوسياسي”. من بين الأصوات التي تتبنى هذا الطرح، يظهر السياسي السيد خوسي مانويل غارسيا مارغايو ، الذي يرى أن المغرب يمثل تحديًا استراتيجيًا رئيسيًا لإسبانيا، ويربط ذلك بقضايا الهجرة والحدود وسبتة ومليلية. وفي وفي هذا الإطار، يُلاحظ أيضا أن حزب “فوكس” (Vox) اليميني المتطرف يتبنى خطابًا متشددًا تجاه المغرب، حيث يركز في مواقفه وتصريحاته على قضايا الهجرة غير النظامية، وتشديد الرقابة على الحدود، ويربط بشكل متكرر بين المغرب وبين ما يعتبره “ضغطًا مهاجريًا” على سبتة ومليلية، كما يستخدم ملف العلاقات مع المغرب كجزء من خطابه السياسي الداخلي الموجه لانتقاد الحكومة الإسبانية وسياساتها الخارجية.
لكن هذا الخطاب لا يعكس موقفًا رسميًا موحدًا للدولة الإسبانية، بل يرتبط أساسًا بتجاذبات سياسية داخلية وسياقات انتخابية. في المقابل، يدافع وزير الخارجية الحالي السيد خوسي مانويل ألباريس عن مقاربة براغماتية تقوم على تعزيز الشراكة مع المغرب، معتبرًا أن التعاون معه ضروري لمعالجة ملفات أساسية مثل الهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.
وختاما، فلا يخفى على أي مهتم، أن العلاقة بين إسبانيا والمغرب هي علافة غير قابلة للاختزال في ثنائية “تهديد أو شراكة”، بل هي علاقة معقدة ومتجذرة تقوم على ترابط قوي بين المصالح والتحديات. فإسبانيا تعتمد على التعاون مع المغرب في إدارة حدودها الجنوبية وضمان الاستقرار، بينما يستفيد المغرب من إسبانيا باعتبارها شريكا اقتصاديا مهما وبوابة تتيح له الولوج نحو أوروبا. لذلك، فإن خطاب “التهديد المغربي” يعكس في كثير من الأحيان صراعًا سياسيًا داخليًا في إسبانيا أكثر مما يعبر عن تقييم استراتيجي موحد وواقعي لهذه العلاقة