الحرب تعيد رسم خرائط الشحن الجوي العالمي.. انهيار مراكز الخليج بـ54% يدفع التدفقات نحو المغرب الذي رفه مناولة البضائع إلى 29 ألف طن

أريفينو.
التقط المغرب جُزءا من التحولات العنيفة التي تضرب سوق الشحن الجوي العالمي، بعدما سجل ارتفاعا لافتا في حجم الشحن الجوي بنسبة 13,33 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026، في وقت انهارت فيه مراكز خليجية كبرى تحت ضغط الحرب في الشرق الأوسط ما دفع شركات النقل وسلاسل الإمداد الدولية إلى إعادة توجيه تدفقاتها نحو منصات بديلة أكثر استقرارا.
ووفق ما كشفه أحدث تقرير صادر عن الرابطة الدولية للنقل الجوي، فإن الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط عن تحولات عميقة بدأت تعيد رسم خرائط الشحن الجوي العالمي، بعدما دفعت الاضطرابات الأمنية والجيوسياسية شركات النقل وسلاسل الإمداد الدولية إلى البحث بشكل متسارع عن ممرات بديلة وأكثر استقرارا، في وقت بدأت فيه مراكز خليجية كبرى تفقد جزءا من قدرتها على تأمين التدفقات التجارية العالمية فيما وفي خضم هذا التحول برز المغرب كأحد أبرز المستفيدين من إعادة توجيه حركة الشحن الجوي، مستفيدا من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي واتساع شبكاته الجوية مع أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية.
وأظهر التقرير، تباينا حادا داخل سوق الشحن الجوي العالمي، بعدما سجلت مراكز الخليج تراجعا وصف بـ”الدراماتيكي” بلغ 54 في المائة خلال مارس 2026، نتيجة التداعيات المباشرة للحرب في الشرق الأوسط واضطراب الممرات الجوية واللوجستية المرتبطة بالمنطقة.
وبينما كانت هذه المراكز تخسر جزءا مهما من تدفقاتها التجارية، سجل المغرب في المقابل نموا لافتا في نشاط الشحن الجوي بلغ 13,33 في المائة خلال الربع الأول من السنة الجارية، مع معالجة 29 ألفا و846 طنا من البضائع في مؤشر يعكس تحوّل المملكة تدريجيا إلى نقطة عبور بديلة ضمن سلاسل الإمداد الدولية التي تبحث عن الاستقرار والمرونة التشغيلية.
ويأتي هذا الأداء المغربي في وقت سجل فيه الطلب العالمي على الشحن الجوي تراجعا بنسبة 4,8 في المائة وفق مؤشر “الطن-الكيلومتر للشحن” (CTK)، ما يجعل الحالة المغربية استثناء لافتا داخل سوق عالمية مضطربة.
وأوضح ويلي والش، المدير العام لـ”الرابطة الدولية للنقل الجوي” أن الانهيار الذي عرفته مراكز الخليج يرتبط بشكل مباشر بالحرب في الشرق الأوسط، بعدما تعرضت الممرات الجوية بين أوروبا والشرق الأوسط ثم بين الشرق الأوسط وآسيا، إلى انكماشات ضخمة بلغت 57,6 في المائة و58,6 في المائة على التوالي، وهو ما تسبب في فقدان أكثر من نصف القدرة الاستيعابية للشحن داخل المنطقة.
ورغم هذه الاضطرابات، فإن الطلب العالمي على التجارة لم يتوقف، فبحسب التقرير نفسه، ارتفع الإنتاج الصناعي العالمي بنسبة 3,1 في المائة على أساس سنوي، كما واصلت طلبات التصدير الجديدة تسجيل نمو مع بلوغ مؤشر مديري المشتريات الصناعي العالمي (PMI) مستوى 50,1 نقطة، ما يعني أن الاقتصاد العالمي ما يزال يحافظ على حد أدنى من الدينامية التجارية رغم الأزمات الجيوسياسية.
وهذا الواقع دفع الفاعلين في النقل واللوجستيك إلى إعادة توزيع شبكاتهم والبحث عن منصات بديلة قادرة على ضمان استمرارية التدفقات التجارية، وهنا بدأ المغرب يفرض نفسه تدريجيا داخل المعادلة الجديدة.
ولفت التقرير إلى أن المملكة تحولت إلى ما يشبه “صمام تحويل موثوق” للتدفقات اللوجستية الدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والطرق الأطلسية المؤدية إلى أمريكا الشمالية، فضلا عن استقرارها السياسي والأمني مقارنة بعدد من المناطق المجاورة.
كما ساهمت مرونة شبكات النقل الجوي المغربية في استيعاب جزء من التدفقات التي أعيد توجيهها بعيدا عن مناطق التوتر، خاصة في ظل تنامي الضغوط الجيوسياسية والجمركية والعملياتية التي تضرب جزءا من الممرات التقليدية.
ولم يقتصر الأمر على الشحن فقط، بل امتد أيضا إلى حركة المسافرين حيث سجل النقل الجوي الدولي بالمغرب ارتفاعا بنسبة 25,9 في المائة، مع تعزيز الخطوط الجوية نحو إفريقيا بنسبة 20,96 في المائة، ونحو أوروبا بنسبة 9,82 في المائة، ما عزز بدوره تنافسية البنية اللوجستية المغربية وربطها بالمراكز الاقتصادية الكبرى.
وفي قلب هذه الدينامية، عزز مطار محمد الخامس موقعه كمركز محوري للشحن الجوي بالمملكة، بعدما استحوذ على أكثر من 30 في المائة من تدفقات البضائع، بالتزامن مع ارتفاع عدد المسافرين عبره بنسبة 15,92 في المائة، وهو ما يعكس التحول التدريجي للمطار إلى منصة إقليمية للنقل الجوي واللوجستيك.
وتأتي هذه المؤشرات في سياق أوسع يشهد فيه المغرب تسارعا في رهانات البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، خاصة مع المشاريع المرتبطة بتوسعة المطارات والموانئ وربطها بالشبكات التجارية العالمية، في ظل سعي المملكة إلى تعزيز تموقعها كقاعدة إقليمية للاستثمار والتصنيع وإعادة التصدير نحو إفريقيا وأوروبا.
غير أن هذا الصعود لا يخفي حجم التحديات الثقيلة التي تواجه القطاع عالميا ومحليا، وفي مقدمتها الارتفاع القياسي لتكاليف الطاقةفق، د سجلت أسعار الكيروسين ارتفاعا بنسبة 106,6 في المائة خلال عام واحد فقط بينما قفزت هوامش التكرير بنسبة 320 في المائة، وهي معطيات تضغط بقوة على شركات الطيران والشحن الجوي وتدفعها إلى مراجعة شبكاتها وهوامشها التشغيلية.
وفي هذا الإطار، حذر ويلي والش من أن “كل الأنظار تتجه اليوم نحو إمدادات وأسعار الوقود، التي ستختبر بشكل حقيقي قدرة القطاع على الصمود خلال المرحلة المقبلة” خاصة مع استمرار هشاشة الوضع الجيوسياسي الدولي.
ويرى متابعون أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد ارتفاع ظرفي في أرقام الشحن بالمغرب، ليعكس بداية تحول أعمق في الجغرافيا اللوجستية العالمية، حيث بدأت الشركات الدولية تعيد تقييم مواقع الإنتاج والتخزين والعبور بحثا عن فضاءات أكثر استقرارا وأقل عرضة للاضطرابات السياسية والعسكرية.
ويبدو أن المملكة تراهن على تحويل هذا الظرف الدولي إلى فرصة استراتيجية طويلة المدى، خصوصا في ظل تنامي مؤشرات التصنيع والاستثمار والربط الجوي والبحري، إضافة إلى تصاعد الاهتمام الدولي بالمغرب باعتباره بوابة نحو الأسواق الإفريقية ومنصة محتملة لإعادة توزيع التدفقات التجارية بين القارات.
ويؤكد خبير استشهد به تقرير الرابطة الدولية للنقل الجوي أن “الحرب سرعت بالفعل عملية تحويل التدفقات نحو مسارات جديدة، لكن المؤشرات البنيوية كانت أصلا تصب في مصلحة المغرب” مشيرا إلى أن القارة الإفريقية نفسها تعيش تحولات اقتصادية متسارعة مدفوعة بالتصنيع والنمو الديمغرافي وهو ما انعكس في تسجيل تسعة أشهر متتالية من ارتفاع المبادلات التجارية بين إفريقيا وآسيا.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو المملكة أمام اختبار حقيقي حول قدرة المملكة على تسريع استثماراتها في البنيات التحتية الجوية واللوجستية، وتحويل موقعها الجغرافي من مجرد معبر جغرافي إلى مركز إقليمي فعلي لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية.