القرب من المواطن: مدخل أساسي لفعالية الإدارة المحلية..

أريفينو.
بقلم: نورالدين البركاني

في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منظومة التدبير العمومي، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة الإدارة المحلية على الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين. فالتنمية الترابية لم تعد مجرد برامج ومشاريع تُسطَّر على الورق، بل أصبحت رهينة بمدى فهم المسؤولين لخصوصيات المجالات التي يشرفون على تدبيرها. ومن هذا المنطلق، يكتسي مبدأ القرب من المواطن أهمية بالغة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق النجاعة والفعالية في العمل العمومي.
إن المسؤول، سواء كان منتخباً أو معيناً، لا يمكنه أن ينجح في أداء مهامه دون أن يمتلك معرفة دقيقة وعميقة بالمنطقة التي يخدمها. فالإلمام بجغرافية المجال، وبنيته الاجتماعية، وخصوصياته الثقافية، وأنماط عيش ساكنته، كلها عناصر حاسمة في توجيه القرار العمومي نحو الاختيارات الصائبة. فكيف يمكن لمسؤول لم يسبق له أن عاش في منطقة معينة، ولم يختبر يومياتها وتحدياتها، أن يضع سياسات ناجعة تستجيب لحاجياتها الحقيقية؟
لقد أبانت التجارب الميدانية، سواء داخل المغرب أو في عدد من الدول التي اعتمدت مقاربة القرب، أن المسؤول الذي يعيش وسط الساكنة، ويتفاعل معها بشكل يومي، يكون أكثر قدرة على تشخيص الإشكالات وتحديد الأولويات بدقة. ففي بعض الجماعات الترابية التي يقودها منتخبون من أبناء المنطقة، سُجلت نسب أعلى في تنفيذ المشاريع في آجالها، كما تحسنت مؤشرات الثقة بين المواطن والإدارة. والسبب بسيط: لأن هذا المسؤول لا يحتاج إلى وقت طويل لاكتشاف الواقع، بل ينطلق مباشرة في الفعل.
في المقابل، حين يتم تعيين أو انتخاب مسؤول لا علاقة له بالمجال الذي سيدبره، فإنه يضطر في البداية إلى قضاء فترة غير قصيرة في التعرف على المنطقة، وفهم تعقيداتها، وبناء شبكة علاقات محلية. وهو ما يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى بطء في اتخاذ القرار وتأخر في تنفيذ المشاريع، بل وأحياناً إلى تبني اختيارات غير ملائمة لخصوصيات المجال.
من هنا، يبرز اقتراح وجيه يتمثل في اشتراط حد أدنى من الإقامة الفعلية في المجال الترابي المعني، سواء تعلق الأمر بجماعة أو إقليم أو جهة، على ألا تقل هذه المدة عن خمس سنوات، وقد تمتد إلى عشر سنوات في بعض الحالات. فهذا الشرط لا يهدف إلى الإقصاء، بل إلى ضمان حد أدنى من المعرفة الميدانية التي تُعد شرطاً أساسياً لنجاح أي مسؤول في مهامه.
ولتعزيز هذه المقاربة، يمكن للمشرّع وصناع القرار التفكير في مجموعة من التوصيات العملية، من بينها:
- إدراج معيار “المعرفة الترابية” ضمن شروط الترشح أو التعيين في مناصب المسؤولية المحلية.
- تشجيع التكوين المستمر للمسؤولين في مجالات الحكامة الترابية والتواصل مع المواطنين.
- تعزيز آليات الديمقراطية التشاركية، بما يضمن إشراك الساكنة في تحديد الأولويات وتتبع تنفيذ المشاريع.
- إرساء نظام لتقييم أداء المسؤولين المحليين يرتكز على مؤشرات القرب والفعالية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
إن تحقيق تنمية محلية حقيقية ومستدامة لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإنسان والمجال. فالقرب من المواطن ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل هو فلسفة تدبيرية متكاملة، قوامها الإصغاء، والفهم، والتفاعل. وكلما كان المسؤول أقرب إلى المواطن، كانت قراراته أكثر واقعية، ومشاريعه أكثر نجاعة، وإدارته أكثر فعالية.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في التدبير العمومي، وجعل المعرفة الميدانية أساساً لكل قرار، حتى تتحول الإدارة المحلية إلى رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد جهاز لتصريف القرارات.
نورالدين البركاني