المغرب يدخل سباق الرقائق من بوابة الناظور.. مشروع سيادي يضع المملكة على خريطة أشباه الموصلات

أريفينو.
في سياق التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم سلاسل الإمداد العالمية، يتهيأ المغرب لخطوة استراتيجية غير مسبوقة عبر إطلاق مشروع صناعي ضخم في مجال أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، في مسعى واضح للانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمساهم في صناعتها.
هذا التوجه الجديد يعكس طموحاً يتجاوز مجرد إنشاء وحدات صناعية، نحو بناء منظومة متكاملة قادرة على تموقع المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية لصناعة تُعد اليوم من أعمدة الاقتصاد الرقمي.
فالرقائق الإلكترونية أصبحت مكوناً حاسماً في صناعات السيارات الكهربائية والطيران والأجهزة الطبية والأنظمة الدفاعية، فضلاً عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي توصف بـ”نفط القرن الحادي والعشرين”.
ويبرز اختيار مدينة الناظور لاحتضان هذا المشروع كخيار استراتيجي يستند إلى موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وبنيتها التحتية اللوجستية المتطورة، ما يؤهلها لتكون منصة صناعية تربط بين إفريقيا والأسواق الأوروبية، وتدعم اندماج المغرب في سلاسل التوريد الدولية.
ولا يُنتظر أن يقتصر أثر هذا القطب الصناعي على الاستثمار المباشر، بل يُرتقب أن يُحدث دينامية واسعة في النسيج الاقتصادي الوطني، عبر تحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة على الاندماج في منظومة إنتاج عالية القيمة، وخلق فرص شغل مؤهلة، إلى جانب دفع الجامعات ومؤسسات التكوين المهني نحو تطوير تخصصات دقيقة في مجالات الإلكترونيات الدقيقة وعلوم المواد و”النانو تكنولوجيا”.
ويمثل هذا التموقع الصناعي أيضاً رهاناً سيادياً، في ظل الأزمات العالمية التي كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على عدد محدود من المنتجين في آسيا وأمريكا.
ومن خلال الاستثمار في هذا القطاع الحساس، يسعى المغرب إلى تأمين جزء من احتياجاته الصناعية، وتعزيز جاذبيته لدى الشركات العالمية الباحثة عن قواعد إنتاج مستقرة وقريبة من الأسواق الأوروبية.
وبذلك، لا يقتصر المشروع على بعده الاقتصادي فحسب، بل يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بالسيادة الرقمية وتعزيز الاستقلالية الصناعية، في وقت تتسابق فيه الدول لإعادة توطين الصناعات التكنولوجية الحيوية. ويبدو أن المملكة تراهن، من خلال هذه الخطوة، على ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي صاعد في الصناعات المتقدمة، وشريك موثوق في رسم معالم الاقتصاد التكنولوجي للمرحلة المقبلة.