بعد شكاوى الغلاء.. الداخلية تُجمّد استخلاص واجبات استغلال الأسواق لبيع الأضاحي في محاولة احتواء لهيب الأسعار قُبيل عيد الأضحى

أريفينو.

قررت وزارة الداخلية تعليق استخلاص رسوم الولوج إلى أسواق الماشية والفضاءات المخصصة لبيع الأضاحي بمختلف جهات المملكة إلى غاية 27 ماي الجاري، في خطوة استثنائية تأتي أياما قليلة قبل عيد الأضحى ووسط تصاعد شكاوى مهنيي تربية الماشية والمواطنين من الارتفاع المتواصل لتكاليف بيع الأضاحي وما يرافقها من رسوم ومصاريف إضافية كانت تنعكس في نهاية المطاف على السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك.

وجاء ذلك، في دورية وجهها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات قال فيها إن القرار يهدف إلى “تسهيل وتبسيط عملية ولوج الأضاحي إلى الأسواق” في ظل الحركية الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها أسواق بيع الماشية مع اقتراب عيد الأضحى وما يرافق ذلك من توافد مكثف للكسابة والمهنيين والمواطنين الراغبين في اقتناء الأضاحي.

ويأتي هذا القرار في سياق حساس يتسم بارتفاع كلفة تربية المواشي خلال السنوات الأخيرة نتيجة توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات والنقل والأدوية البيطرية وهي العوامل التي دفعت مهنيين ومربين إلى التحذير من أن استمرار فرض رسوم الولوج إلى الأسواق سيؤدي إلى تحميل الكسابة تكاليف إضافية يتم تمريرها مباشرة إلى المستهلك النهائي، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأسر المغربية.

وأكدت الدورية الوزارية أن وزارة الداخلية رصدت الحاجة إلى “تدبير مرن” لأسواق الماشية خلال هذه الفترة الاستثنائية بما يضمن مرور مناسبة عيد الأضحى في أفضل الظروفمضيفة أن تعليق استخلاص الرسوم لمدة سبعة أيام ما بين 21 و27 ماي يتم استثناء هذه السنة في إشارة إلى الطابع الظرفي للإجراء المرتبط بحساسية الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

ولم يقتصر توجيه وزارة الداخلية على الجانب المالي فقط، بل شددت الدورية أيضا على ضرورة توفير الأمن واحترام شروط السلامة والنظافة داخل الأسواق مع تسهيل إجراءات ولوج الماشية وتفادي كل أشكال الاكتظاظ أو العراقيل التنظيمية التي قد تؤثر على السير العادي لعمليات البيع والشراء خاصة مع الارتفاع الكبير المرتقب في أعداد الوافدين على هذه الفضاءات خلال الأيام المقبلة.

كما حرص لفتيت على طمأنة الجماعات الترابية التي تعتمد جزئيا على هذه الرسوم في مداخيلها المالية مؤكدا أن مصالح وزارة الداخلية ستظل معبأة لمواكبة الجماعات التي قد تتأثر ميزانياتها جراء هذا القرار وذلك لتجاوز أي عجز محتمل قد ينجم عن تعليق استخلاص واجبات الدخول إلى الأسواق.

ويعكس هذا التطور حجم الضغط الذي باتت تمثله أسعار الأضاحي وتكاليف تسويقها على النقاش العمومي بالمغرب بعدما تحولت رسوم الأسواق خلال السنوات الأخيرة إلى موضوع جدل متكرر بين الكسابة والسلطات المحلية والجماعات الترابية حيث يعتبر المهنيون أن بعض الأسواق المؤقتة والموسمية تحولت إلى مصدر لفرض رسوم متعددة تشمل الولوج والحراسة والتنظيم والنظافة، وهو ما يرفع بشكل غير مباشر من تكلفة البيع.

وقد طالب عدد من مهنيي تربية الماشية في تصريحات لـ “الصحيفة” بإقرار مجانية كاملة لولوج أسواق بيع المواشي قبل عيد الأضحى لهذه السنة، معتبرين أن الرسوم المفروضة تشكل عبئا إضافيا على المربين الصغار والمتوسطين الذين يواجهون أصلا ارتفاعا غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، خصوصا في ما يتعلق بالأعلاف المركبة والشعير وتكاليف نقل القطيع بين المناطق والأسواق.

وتعكس خطوة وزارة الداخلية محاولة رسمية لاحتواء جزء من الضغوط المرتبطة بأسعار الأضاحي والحد من أي زيادات إضافية قد تنتج عن الرسوم المفروضة داخل الأسواق خصوصا مع التخوفات المتزايدة من تسجيل أسعار مرتفعة خلال الموسم الحالي مقارنة بالسنوات الماضية.

ويأتي هذا القرار أيضا في ظل استمرار النقاش الواسع حول سلاسل تسويق الماشية بالمغرب، حيث يعتبر مهنيون أن تعدد الوسطاء وارتفاع تكاليف النقل والرسوم المحلية يجعل السعر النهائي للأضحية أعلى بكثير من سعرها الحقيقي عند المربي، وهو ما يدفع في كل موسم إلى تجدد المطالب بإعادة تنظيم أسواق الماشية وضبط تكاليف البيع بما يخفف العبء عن المستهلكين.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في السياسات الفلاحية والاقتصاد القروي رشيد الكتاني أن قرار تعليق استخلاص رسوم الولوج إلى أسواق الماشية يحمل بعدا اجتماعيا أكثر منه ماليا، بالنظر إلى أن الرسوم التي كانت تُفرض في عدد من الأسواق لم تعد مجرد مساهمة تنظيمية بسيطة بل تحولت في بعض الحالات إلى عنصر إضافي داخل كلفة تسويق الأضحية وهو ما ينعكس تلقائيا على السعر النهائي المؤدى من طرف الأسر المغربية.

وأوضح الكتاني في تصريح لـ”الصحيفة” أن سلاسل تسويق الماشية بالمغرب تعرف أصلا تراكم عدة مستويات من الكلفة تبدأ من ارتفاع أسعار الأعلاف التي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة بسبب توالي مواسم الجفاف وارتفاع أسعار المواد الأولية عالميا، مرورا بكلفة النقل والمحروقات والأدوية البيطرية واليد العاملة وصولا إلى الرسوم المحلية ومصاريف الولوج إلى الأسواق والحراسة والتنظيم مضيفا أن “المشكل الحقيقي لا يتعلق فقط بسعر الخروف عند المربي، بل بحجم التكاليف التي تُضاف إليه قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن عددا من المربين الصغار والمتوسطين أصبحوا يشتكون من تآكل هامش الربح، مقابل استفادة الوسطاء وشبكات التسويق غير المنظمة من الجزء الأكبر من القيمة المضافة، معتبرا أن القرار الحكومي الحالي يمكن أن يخفف جزئيا من الضغط داخل الأسواق لكنه يظل إجراء ظرفيا لا يعالج الاختلالات البنيوية التي يعرفها قطاع تسويق الماشية بالمغرب.

وأضاف أن نجاح هذا الإجراء سيبقى مرتبطا بمدى صرامة السلطات المحلية في مراقبة الأسواق ومنع أي رسوم غير قانونية أو ممارسات احتكارية مؤكدا أن بعض الأسواق الموسمية كانت تعرف خلال فترات الذروة رسوما متعددة وغير موحدة تختلف من منطقة إلى أخرى، وهو ما كان يخلق نوعا من الفوضى في الأسعار ويؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *