تقرير التجارة الخارجية للأوروغواي يكشف صعود الجزائر كثاني أكبر مستورد للألبان.. هل تَستعمل الورقة الاقتصادية للحفاظ على مواقف مونتيفيديو داعمة للبوليساريو؟

أريفينو.

تكشف المعطيات الواردة في تقرير التجارة الخارجية للأوروغواي عن حضور متزايد للجزائر في المبادلات التجارية مع هذا البلد الواقع في أمريكا اللاتينية، خاصة في قطاع المنتجات الغذائية، وهو حضور يحمل أبعادا اقتصادية، لكنه يتقاطع أيضا مع رهانات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بملف الصحراء.

وبحسب التقرير الرسمي الصادر عن وكالة ترويج الاستثمار والتصدير الأوروغويانية، فقد جاءت الجزائر ضمن الأسواق المهمة بالنسبة للصادرات الأوروغويانية خلال سنة 2024، بحصة بلغت 2 في المائة من إجمالي صادرات البلاد، إلى جانب دول مثل تركيا والمكسيك وتشيلي، غير أن المعطى الأكثر لفتا للانتباه ظهر في قطاع الألبان، حيث برزت الجزائر كواحدة من أكبر المستوردين لهذا المنتج الحيوي.

وأوضح التقرير أن صادرات الأوروغواي من منتجات الألبان بلغت ما مجموعه 815 مليون دولار خلال سنة 2024، استحوذت الجزائر منها على 27 في المائة، لتصبح ثاني أكبر مستورد بعد البرازيل. وبلغت قيمة مشتريات الجزائر من هذه المنتجات 219 مليون دولار، بزيادة بلغت 80 في المائة مقارنة بسنة 2023، وهي من أعلى نسب النمو المسجلة في هذا القطاع خلال عام واحد.

كما أظهرت التفاصيل أن مسحوق الحليب شكل 76 في المائة من إجمالي صادرات الألبان نحو الجزائر، مقابل 13 في المائة للأجبان و9 في المائة للزبدة، ما يعكس تركيزا واضحا على المواد الأساسية المرتبطة بالاستهلاك اليومي.

وتأتي هذه الأرقام في سياق سياسي لافت، إذ تتزامن مع نقاشات داخل الأوروغواي بشأن مستقبل علاقتها بجبهة البوليساريو، ومع مؤشرات متزايدة على رغبة مونتيفيديو في تطوير علاقاتها مع المغرب على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي هذا الإطار، تعود إحدى أبرز المحطات إلى يونيو 2022، حين استقبل الرئيس الأوروغوياني آنذاك لويس لاكايي بو رئيس مجلس المستشارين المغربي النعم ميارة، الذي كان يقود وفدا برلمانيا في زيارة عمل إلى مونتيفيديو، وخلال هذا اللقاء، عبر الرئيس الأوروغوياني عن تقديره للمغرب، مشيدا بمكانته الإقليمية، كما أكد رغبته في إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية ورفع مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري.

وشكلت تلك الزيارة بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، خاصة أنها جاءت في وقت كان المغرب يعزز فيه حضوره داخل أمريكا اللاتينية من خلال الدبلوماسية البرلمانية والانفتاح الاقتصادي.

وفي دجنبر من السنة نفسها، تعزز هذا المسار من خلال زيارة وفد برلماني أوروغوياني إلى الرباط، ضم مسؤولين حكوميين ورجال أعمال، حيث تم بحث فرص التعاون الثنائي، إلى جانب المشاركة في منتدى اقتصادي بمدينة مراكش. وعكست هذه الزيارة اهتماما متزايدا من الأوروغواي بتطوير شراكتها مع المغرب في مجالات متعددة.

وخلال الفترة الممتدة بين 2022 و2024، استمرت مؤشرات التقارب بين الرباط ومونتيفيديو، خاصة مع إبراز المغرب لمؤهلاته الاقتصادية، سواء باعتباره بوابة نحو الأسواق الإفريقية، أو بالنظر إلى مكانته الدولية في قطاع الفوسفاط ومشتقاته، وهي مواد تحظى بأهمية كبيرة بالنسبة للدول ذات الطابع الزراعي مثل الأوروغواي.

في المقابل، تزامن هذا المسار مع صعود الحضور التجاري الجزائري داخل الأوروغواي، وهو ما تعكسه أرقام تقرير 2024، خاصة في قطاع الألبان، وبذلك أصبحت الساحة الأوروغويانية مجالا لتقاطع المصالح الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية القادمة من الطرفين.

غير أن المشهد عرف تطورا جديدا سنة 2025، مع عودة اليسار إلى السلطة في الأوروغواي، وهو ما أعاد بعض التوازنات السياسية التقليدية المرتبطة بملف الصحراء، حيث قد ظهر ذلك من خلال حضور زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي إلى مونتيفيديو للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الجديد ياماندو أورسي خلال مارس من نفس السنة.

ويعكس هذا التطور أن التقارب الذي عرفته العلاقات المغربية الأوروغويانية خلال فترة حكم لويس لاكايي بو لم يصل إلى مرحلة تغيير رسمي ونهائي للموقف التقليدي للأوروغواي من هذا الملف، رغم الإشارات الإيجابية التي برزت خلال تلك السنوات.

ومع ذلك، تبدو الأوروغواي اليوم أقرب إلى اعتماد مقاربة براغماتية تقوم على الموازنة بين إرثها السياسي السابق ومصالحها الاقتصادية الحالية،  فالتقارب مع المغرب يرتبط بفرص تجارية واستراتيجية واعدة، بينما يستمر التواصل مع البوليساريو في إطار توازنات سياسية داخلية مرتبطة بتغير الحكومات والائتلافات الحزبية.

وتبرز هذه التجربة أن ملف الصحراء المغربية لم يعد مرتبطا فقط بالمواقف السياسية التقليدية، بل أصبح أيضا متصلا بالمصالح الاقتصادية وحسابات التجارة الدولية، كما تؤكد أن الحضور الاقتصادي بات عاملا أساسيا في تعزيز النفوذ السياسي داخل عدد من مناطق العالم، ومنها أمريكا اللاتينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *