حين تُفسد انحرافات الملاعب روح الرياضة… يصبح القانون هو الحكم الأخير.

✍️ نور الدين البركاني

في عالم كرة القدم، لا تُقاس قيمة الانتصارات فقط بعدد الأهداف أو الألقاب، بل تُقاس أيضاً بروح الرياضة، والاحترام المتبادل، والالتزام بالقواعد الأخلاقية التي تسبق القوانين. فالمباريات الكبرى لا تصنع الأبطال فحسب، بل تكشف أيضاً مدى احترام هذه القيم.
في هذا السياق، يبرز الجدل الذي أعقب المباراة النهائية بين المنتخب المغربي ونظيره السنغالي، حيث لم يكن الخلاف مجرد نتيجة رياضية، بل تجاوز ذلك ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السلوك الذي طبع مجريات اللقاء، ومدى احترام قوانين اللعب.
لقد كان بإمكان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تتغاضى عن بعض التجاوزات، حفاظاً على العلاقات الأخوية التي تجمع بين الشعبين المغربي والسنغالي، وصوناً لصورة كرة القدم الإفريقية كفضاء للتقارب لا للتوتر. غير أن ما صدر عن الاتحاد السنغالي لكرة القدم، سواء داخل رقعة الملعب أو في كواليس التنظيم، من سلوك اتسم بالخبث الرياضي والعنترية في السلوك، لم يترك مجالاً للمجاملة أو الصمت.
فحين تتحول المنافسة إلى سلوك غير رياضي، وحين يتم تجاوز الحدود التي تضبطها القوانين والأعراف، يصبح من واجب المؤسسات المسؤولة أن تتحرك دفاعاً عن الحقوق، وصوناً لكرامة الفرق واللاعبين. وهنا تحديداً، لم يعد الأمر متعلقاً بنتيجة مباراة، بل بمبدأ العدالة الرياضية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن أمام الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خيار آخر سوى اللجوء إلى الهيئات المختصة، سواء على مستوى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أو الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل وحتى محكمة التحكيم الرياضي، من أجل قول كلمة القانون وحسم النزاع وفق القواعد المعمول بها.
إن الاحتكام إلى القضاء الرياضي لا يمكن اعتباره تصعيداً، بل هو تعبير عن نضج مؤسساتي، واحترام لقواعد اللعبة، وإيمان راسخ بأن العدالة هي الضامن الحقيقي لتكافؤ الفرص. فحين تُغلق الأبواب أمام الحلول الودية، لا يبقى سوى باب القانون مفتوحاً.
وإذا ما تم تفكيك أسباب هذا التوتر، نجد أنها تعود إلى مجموعة من السلوكيات التي أثرت بشكل مباشر على سير المباراة، من بينها:
الاحتجاجات المبالغ فيها،
الضغط المتكرر على الحكم،
الانسحاب من الملعب،
التصريحات الاستفزازية قبل وبعد اللقاء،
سلوكيات غير رياضية داخل الملعب،
رفض الامتثال لبعض القرارات،
مظاهر الشغب الجماهيري وخلق أجواء ترهيبية،
من رمي المقذوفات، وهتافات مسيئة، واقتحام الملعب.
مثل هذه التجاوزات، حين تتراكم، لا تؤثر فقط على أجواء المباراة، بل قد تمتد لتؤثر على نتيجتها، وهو ما يجعل الطعن أمراً مشروعاً، بل ضرورياً.
إن ما حدث يطرح دروساً عميقة ينبغي التوقف عندها:
أولاً، لا يمكن لأي منتخب، مهما بلغت قوته، أن يفرض أسلوبه خارج إطار القانون.
ثانياً، لا بد من ترسيخ ثقافة الروح الرياضية قبل البحث عن الألقاب.
ثالثاً، إن اللجوء إلى القضاء ليس ضعفاً، بل قوة مؤسساتية تحمي الحقوق وتؤسس لمستقبل أكثر عدلاً.
كما تفتح هذه الواقعة نقاشاً أوسع حول ضرورة تطوير آليات المراقبة والانضباط داخل المنافسات الإفريقية، وتعزيز دور التحكيم، وتفعيل العقوبات الرادعة لكل أشكال العنف الرياضي، حتى تبقى كرة القدم مجالاً للتنافس الشريف لا ساحة للتوتر والصراع.
في النهاية، تبقى كرة القدم رسالة نبيلة، وإذا فقدت روحها، فقدت معناها.
قد تختلف النتائج، لكن القيم يجب أن تظل ثابتة.
فلننتصر للقيم… قبل أن ننتصر في المباريات.
نور الدين البركاني