حين يتحول الانتظار إلى معاناة يومية للمواطن ..

✍️ نورالدين البركاني..

يُجمع العديد من المواطنين على أن من أكبر معضلات الإدارة المغربية اليوم هو عدم احترام وقت العمل. فكم من مواطن قصد إدارة عمومية قبل الساعة العاشرة صباحاً، فلم يجد موظفاً في مكتبه؟ وكم منهم عاد أدراجه بعد الساعة الحادية عشرة والنصف، لأن “النافذة أُغلقت”؟ بل إن نفس المشهد يتكرر بعد الزوال، حيث يصبح التوقيت الفعلي للعمل بين الثانية والنصف والثالثة والنصف، وكأن الإدارة لا تشتغل إلا لساعات معدودة في اليوم.
هذا الواقع لا يُعد مجرد انطباع، بل تجربة يومية يعيشها آلاف المواطنين، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها.
❖ لماذا هذا الاستهتار بالوقت؟
الأسباب متعددة ومتشابكة، من أبرزها:
🔹ضعف ثقافة الانضباط المهني: حيث لا يزال البعض يعتبر الوظيفة العمومية امتيازاً أكثر منها مسؤولية.
🔹غياب المراقبة الفعلية: فغياب آليات صارمة لتتبع الحضور والانصراف يفتح الباب أمام التسيب.
🔹ضعف المحاسبة: في كثير من الحالات، لا تُطبق العقوبات التأديبية رغم وضوح المخالفات.
🔹سوء التنظيم الداخلي: بعض الإدارات لا تعتمد نظاماً واضحاً لاستقبال المواطنين أو توزيع المهام.
🔹تطبيع المجتمع مع الظاهرة: حيث أصبح التأخر “عادياً” في نظر البعض، وهو أخطر ما في الأمر.
❖ كم يكلف هذا الوضع؟
هذه الظاهرة ليست مجرد إزعاج للمواطن، بل لها كلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة:
🔹خسارة وقت المواطن: ساعات من الانتظار أو التنقل دون جدوى.
🔹تعطيل المصالح الاقتصادية: تأخر في الحصول على وثائق أو تراخيص يعطل مشاريع واستثمارات.
🔹هدر المال العام: الدولة تؤدي أجوراً كاملة مقابل ساعات عمل غير مكتملة.
🔹تراجع الثقة في الإدارة: وهو أخطر أثر، لأنه يضعف علاقة المواطن بالمؤسسات.
إذا افترضنا أن موظفاً واحداً يضيع ساعة واحدة يومياً، فإن ذلك يعادل مئات الساعات سنوياً، فما بالك بآلاف الموظفين؟
❖ من المسؤول؟
المسؤولية هنا مشتركة:
👈 الإدارة العليا: لغياب الصرامة في التتبع والتقييم.
👈 رؤساء المصالح: لعدم فرض الانضباط داخل الفرق.
👈 الموظف نفسه: لأنه يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه عمله.
👈 المنظومة ككل: التي لم تُرسخ بعد ثقافة “الأجر مقابل العمل”.
❖ كم يشتغل الموظف فعلياً؟
رغم أن التوقيت الرسمي محدد قانونياً، إلا أن الواقع يكشف أن بعض الموظفين:
🔻يبدأون العمل متأخرين
🔻يغادرون قبل الوقت
🔻يأخذون فترات استراحة طويلة
وهذا يجعل عدد ساعات العمل الفعلية أقل بكثير من المطلوب، وهو خلل خطير يمس جودة الخدمة العمومية.
❖ كيف يمكن معالجة هذا الوضع؟
الإصلاح ممكن، لكنه يتطلب إرادة حقيقية وإجراءات عملية:
- اعتماد الرقمنة
💠 تقليص الاحتكاك المباشر مع المواطن
💠 تسريع الخدمات وتقليل الحاجة للحضور - تفعيل المراقبة
💠 اعتماد نظام البصمة أو التسجيل الإلكتروني
💠 تتبع دقيق لساعات العمل - ربط المسؤولية بالمحاسبة
💠 تطبيق عقوبات واضحة على المتغيبين والمتأخرين
💠 تحفيز الموظفين الملتزمين - تحسين ظروف العمل
💠 توفير بيئة مهنية مناسبة
💠 تقليل الضغط الإداري غير المبرر - إعادة تنظيم الاستقبال
💠 تحديد أوقات واضحة لاستقبال المواطنين
💠 اعتماد نظام المواعيد - نشر ثقافة احترام الوقت
💠 إدماج هذا المبدأ في التكوينات
💠 التوعية بأهميته اقتصادياً وأخلاقياً
❖ توصيات عملية
⬅️ إطلاق حملات وطنية حول قيمة الوقت في الإدارة
⬅️ نشر تقارير دورية عن أداء الإدارات
⬅️ تمكين المواطن من التبليغ عن التجاوزات
⬅️ تشجيع المنافسة بين الإدارات عبر مؤشرات الجودة
⬅️ اعتماد التقييم السنوي المبني على الأداء
❖ خاتمة
إن احترام الوقت ليس تفصيلاً بسيطاً، بل هو أساس كل إصلاح إداري. فلا يمكن الحديث عن تنمية، أو استثمار، أو حكامة جيدة، في ظل إدارة لا تحترم الزمن.
الإدارة ليست بناية أو مكاتب، بل هي سلوك وثقافة ومسؤولية.
وحين نحترم الوقت، فإننا نحترم المواطن… ونحترم الوطن.
الدكتور : نورالدين البركاني.