دراسة مغربية حديثة تكشف التأثيرات الخفية لاستهلاك “القنب” على الوظائف البصرية

أريفينو : 30 يناير 2026
سلطت دراسة مغربية حديثة الضوء على العلاقة المعقدة بين استهلاك القنب والوظائف البصرية لدى المستخدمين، الدراسة التي نُشرت في يناير الجاري (2026) بمجلة «Psychoactives» العلمية المحكمة، أجراها فريق بحثي متخصص بمركز علاج الإدمان بمراكش، استهدفت ملء الفراغ المعرفي حول آثار هذه المادة في المجتمعات النامية، وتحديدا في المغرب الذي يعد فاعلا رئيسيا في زراعة القنب، في وقت تعتمد فيه معظم الأدبيات السابقة على بيانات من دول غربية.
واعتمد الباحثون في هذه الدراسة المقطعية، التي امتدت من مارس 2022 إلى أبريل 2023، على عينة شملت 95 مستهلك للقنب مسجلين بمركز علاج الإدمان بمراكش، وقد خضع المشاركون، الذين بلغت نسبة الذكور بينهم 87.4% بمتوسط عمر يناهز 33 عاما، لفحوصات بصرية سريرية دقيقة شملت قياسات حدة البصر، ووظائف الانكسار، واستجابة الحدقة، وذلك باستخدام معدات طبية متطورة، توازيا مع استبيانات شاملة حول عادات الاستهلاك والتاريخ العائلي للإدمان.
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي وجود فجوة بين “إدراك المستخدم” و”الواقع الفيزيولوجي”؛ فبينما أفاد معظم المشاركين (71.6%) بعدم شعورهم بتشوش في الرؤية القريبة أو البعيدة نتيجة التعاطي، كشفت الفحوصات السريرية عن تأثر معايير بصرية دقيقة مثل “الانحراف البصري” (Phoria) وحساسية الضوء، وهذا التناقض يشير إلى أن مستهلكي القنب قد لا يعون حجم الضرر الذي يلحق بوظائفهم البصرية، مما يزيد من مخاطر الحوادث أو إهمال العلاج.
وأظهرت الدراسة أن الحساسية المفرطة لضوء النهار هي العرض الأكثر شيوعا، حيث اشتكى منها 66.3% من المشاركين، كما رصد الباحثون انتشارا واسعا للأعراض العينية الظاهرة بعد الاستهلاك؛ إذ سجل 75.8% احمرارا في العين، و67.4% تدليا في الجفون، بالإضافة إلى أعراض أخرى مثل سيلان الدموع وتورم الجفون، وهي مؤشرات فيزيولوجية مباشرة على تفاعل المكونات النشطة للقنب مع أنسجة العين وجهازها العصبي.
وفي نقطة تثير الكثير من الفضول العلمي، أبلغ 33.7% من المشاركين عن شعورهم بـ”تحسن” في الرؤية الليلية بعد الاستهلاك، وهي ظاهرة رصدت سابقا في حالات محدودة جدا لدى صيادين في جامايكا، ورغم هذا الإدراك الذاتي بالتحسن، يحذر الباحثون من أن هذا قد يكون ناتجا عن تغيرات في معالجة الضوء داخل الشبكية وليس تحسنا حقيقيا في القدرة البصرية، مما يستوجب إجراء أبحاث أكثر عمقا لفهم هذه الآلية البيولوجية الغامضة.
وكشفت الدراسة عن أن “الحشيش” هو النوع الأكثر استهلاكا بنسبة 57.9%، وأن التدخين هو الوسيلة الوحيدة للتعاطي لدى كافة أفراد العينة، كما لفتت النتائج إلى ظاهرة “الإدمان المتعدد”، حيث يتعاطى 66.5% من المشاركين مواد أخرى إلى جانب القنب، وعلى رأسها التبغ بنسبة 43.7%، وهذا التداخل بين المواد المخدرة يفاقم من الآثار السلبية على الصحة العامة ويزيد من تعقيد التشخيص السريري للاضطرابات البصرية الناتجة.
ودقت الدراسة ناقوس الخطر بشأن إهمال الصحة البصرية لدى فئة المدمنين؛ إذ تبيّن أن نصف المشاركين (50.5%) لم يسبق لهم إجراء فحص للعين طيلة حياتهم، رغم معاناتهم من مشاكل انكسارية مثل “الاستجماتيزم” وقصر النظر، وأوصى البحث بضرورة دمج فحوصات العين الدورية ضمن برامج علاج الإدمان، وتوعية الأطباء النفسيين بأهمية عدم إغفال الصحة الجسدية والبصرية لمرضاهم لتقليل الفوارق الصحية.
وخلص الفريق البحثي، الذي ضم أسماء بارزة إلى أن استهلاك القنب في المغرب يرتبط بتغيرات ملموسة في الوظائف البصرية، خاصة فيما يتعلق بالانحراف الجانبي وحساسية الضوء، ورغم محدودية العينة، تفتح هذه الدراسة الباب أمام ضرورة إجراء بحوث طولية ومعملية تستخدم قياسات حيوية لنسبة (THC) في الدم لربطها بدقة مع مستوى التدهور البصري، مؤكدة على ضرورة التعامل مع القنب ليس فقط كقضية سلوكية، بل كعامل مؤثر بشكل مباشر على الحواس الحيوية للإنسان.