رغم تراجع النفط عالميا.. أسعار المحروقات فوق 14 درهما.. والكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغازل يؤكد أن شركات التوزيع ربحت 90 مليار درهم

أريفينو.
تواصل أسعار المحروقات، تصدر واجهة الجدل السياسي والاجتماعي رغم التراجع النسبي الذي سجلته خلال النصف الثاني من شهر ماي الجاري، وذلك وسط اتهامات متجددة لشركات التوزيع بتحقيق “أرباح فاحشة” على حساب القدرة الشرائية للمغاربة وتحذيرات من أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة يفاقم موجة الغلاء التي تضرب مختلف القطاعات وتهدد التوازن الاجتماعي داخل المملكة.
ووفق ما عاينته “الصحيفة” لدى محطات الوقود فإنه يتراوح سعر لتر الغازوال حاليا بين 14.45 و14.55 درهما في عدد من المدن المغربية، بينما يدور سعر البنزين الممتاز بين 14.35 و14.45 درهما، مع اختلافات طفيفة بين المدن والعلامات التجارية ومحطات التوزيع.
ورغم هذا التراجع مقارنة بالمستويات التي عرفتها السوق خلال شهري مارس وأبريل، حين تجاوزت الأسعار عتبة 15.50 درهما للتر في عدد من المحطات، فإن مهنيين وخبراء يعتبرون أن الأسعار الحالية ما تزال “مرتفعة بشكل غير مبرر” مقارنة بتطورات السوق الدولية.
وفي هذا السياق، قال الحسين اليماني الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، في تصريح لـ “الصحيفة” إن الثمن “العادل” الذي يفترض اعتماده للبيع في محطات التوزيع خلال النصف الثاني من شهر ماي لا يجب أن يتجاوز سقف 14 درهما للتر الواحد بالنسبة للغازوال والبنزين، وذلك وفق طريقة الحساب التي كانت معتمدة قبل تحرير الأسعار نهاية سنة 2015، ودون تدخل صندوق المقاصة.
وأوضح اليماني، أن “كل سنتيم فوق هذا الثمن يتحول إلى أرباح إضافية لفائدة الفاعلين في القطاع” مضيفا أن “الأرباح الفاحشة المتراكمة لشركات المحروقات تجاوزت 90 مليار درهم مع نهاية سنة 2025 بعدما كانت في حدود 17 مليار درهم فقط خلال سنتي 2016 و2017”.
وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المغرب منذ نحو عشر سنوات، بعدما تحول قرار تحرير أسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ نهاية 2015 إلى ملف دائم الحضور داخل النقاش العمومي والسياسي، في ظل اتهامات متكررة للحكومات المتعاقبة بالعجز عن ضبط السوق وترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع تقلبات الأسعار وهوامش أرباح شركات التوزيع.
وكانت الحكومة قد بررت آنذاك قرار التحرير بضرورة تقليص العبء المالي الذي كان يثقل صندوق المقاصة وفتح السوق أمام المنافسة الحرة، غير أن منتقدي القرار يعتبرون أن ما حدث فعليا هو انتقال السوق من نظام الدعم إلى “سوق محررة دون سقف حقيقي للأرباح” استفادت منها شركات التوزيع بشكل كبير بينما تحمل المستهلك المغربي كلفة التحرير.
وبحسب المعطيات التي قدمها اليماني فإن أسعار السوق الدولية الحالية، مضافا إليها تكاليف النقل والتخزين والميناء والتأمين وغيرها من المصاريف التقنية، لا تتجاوز 9.7 دراهم بالنسبة للغازوال و8.20 دراهم للبنزين بدون رصاص، ما يعني وفق قراءته أن الفارق الكبير بين هذه المستويات وبين الأسعار المعتمدة بمحطات الوقود يذهب جزء مهم منه إلى الضرائب، بينما تستفيد شركات التوزيع من هامش أرباح وصفه بـ”المرتفع وغير المبرر”.
وأوضح أن إدارة الضرائب تستفيد من حوالي 4 دراهم في كل لتر من الغازوال وأكثر من 5 دراهم بالنسبة للبنزين، في حين تستفيد شركات التوزيع من هامش يتجاوز 1.5 درهم للغازوال وأكثر من 2.5 درهم للبنزين، معتبرا أن هذه الهوامش “تفوق بشكل واضح المعدلات المعقولة مقارنة بعدد من الأسواق الدولية”
ويأتي هذا الجدل في سياق اقتصادي واجتماعي متوتر، بعدما تحولت أسعار المحروقات خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز العوامل المغذية لموجة الغلاء التي مست مختلف مناحي الحياة اليومية داخل المغرب.
ويرى مهنيون وخبراء أن الغازوال، باعتباره العمود الفقري للنقل الطرقي وسلاسل التوزيع واللوجستيك بالمملكة يؤثر بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والخضر والفواكه واللحوم، إضافة إلى تكاليف الإنتاج بالنسبة للمقاولات الصناعية والفلاحية والخدماتية.
وفي هذا الإطار، شدد اليماني على أن “اشتعال أسعار المحروقات هو السبب الرئيسي في الغلاء العام الذي ينغص العيش الكريم للمغاربة ويهدد السلم الاجتماعي” محذرا من أن استمرار الوضع الحالي يزيد الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والخدمات.
وخلال الأشهر الماضية، اشتكت فئات واسعة من المهنيين خاصة في قطاع النقل الطرقي من استمرار ارتفاع أسعار الغازوال رغم التراجع النسبي الذي تعرفه أسعار النفط أحيانا في السوق الدولية وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات القديمة حول مدى انعكاس انخفاض الأسعار العالمية فعليا على المستهلك المغربي.
كما سبق أن فجّر تقرير صادر عن مجلس المنافسة في وقت سابق جدلا واسعا حول وجود شبهات اتفاقات بين شركات المحروقات بخصوص الأسعار وهوامش الربح في قضية تحولت آنذاك إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل المغرب، بسبب ما أثارته من اتهامات بتحقيق أرباح ضخمة على حساب المواطنين.
ورغم أن الحكومة دافعت مرارا عن خيار تحرير الأسعار واعتبرته جزءا من الإصلاحات الاقتصادية الكبرى، فإن المعارضة والنقابات وعددا من الهيئات المهنية ما تزال تطالب بمراجعة هذا القرار ووضع آليات أكثر صرامة لمراقبة السوق وتحديد سقف لهوامش الأرباح.
وفي هذا السياق، يرى اليماني أن الحل لا يكمن فقط في تخفيض ظرفي للأسعار بل في مراجعة شاملة للسياسة الطاقية بالمغرب، عبر “إلغاء تحرير أسعار المحروقات وتحديد أرباح الفاعلين وتخفيف الضغط الضريبي وإحياء التكرير بالمصفاة المغربية للبترول”.
كما دعا إلى تطوير الصناعات البتروكيماوية ورفع نسبة الغاز الطبيعي داخل السلة الطاقية للمملكة، معتبرا أن هذه الخيارات تمثل “الحل الحقيقي للتقليل من أثر تقلبات أسعار النفط على القدرة الشرائية للمغاربة وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني”.
ويعيد هذا النقاش أيضا إلى الواجهة ملف مصفاة “سامير” التي ظلت منذ توقف نشاطها سنة 2015 إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل داخل قطاع الطاقة بالمغرب، حيث يعتبر مدافعون عن إعادة تشغيلها أن استمرار توقف التكرير جعل المغرب أكثر هشاشة أمام تقلبات السوق الدولية وأكثر تبعية لشركات الاستيراد والتوزيع.
ويرى خبراء أن غياب التكرير المحلي حرم المغرب من هامش مهم في التحكم في كلفة الطاقة وتكوين احتياطي استراتيجي، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة التي شهدتها أسواق النفط خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب الحرب الروسية الأوكرانية أو التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة في أكثر من مناسبة أن أسعار المحروقات ترتبط أساسا بالسوق الدولية وبمستوى الضرائب المطبقة، معتبرة أن العودة إلى الدعم الشامل ستشكل عبئا كبيرا على المالية العمومية.
غير أن هذا التبرير لا ينجح دائما في تهدئة الجدل، خاصة مع استمرار الأسعار فوق عتبة 14 درهما للتر رغم تراجع النفط نسبيا في السوق الدولية، وهو ما يغذي الشكوك حول الحجم الحقيقي للأرباح التي تحققها شركات التوزيع وحول فعالية آليات المراقبة الحالية.