رغم منع البيع العشوائي وفرض أسواق رسمية.. هل تحوّل تنظيم الأضاحي إلى بوابة جديدة لرفع أسعار عيد الأضحى على حساب جيب المواطن؟

أريفينو.
شددت السلطات المغربية، منذ أسابيع قليلة من عيد الأضحى قبضتها على أسواق بيع الأغنام بعدما تحولت أحياء سكنية وأزقة و”كراجات” خلال السنوات الماضية إلى فضاءات عشوائية لتجارة تدر ملايين الدراهم خارج أي مراقبة فعلية، في وقت تكشف فيه معطيات المهنيين أن كلفة “تنظيم” السوق ورسوم الولوج إلى الأسواق المؤقتة والرسمية تنعكس مباشرة على أسعار الأضاحي، لتجد الأسر المغربية نفسها مجددا في مواجهة موسم جديد من الغلاء تحت عنوان “وفرة العرض”.
وأعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عن حزمة واسعة من التدابير التنظيمية والرقابية المرتبطة بعيد الأضحى لهذه السنة، شملت إحصاء مئات الأسواق وتشديد المراقبة البيطرية وتتبع مسار القطيع والأعلاف ووسائل التسمين إلى جانب إنهاء ظاهرة بيع الأغنام داخل الأحياء السكنية التي ظلت لسنوات جزءا من المشهد اليومي الذي يسبق العيد في المدن المغربية وذلك في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو إعادة هيكلة وضبط واحد من أكبر الأسواق الموسمية بالمملكة.
وكان أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، قد أكد أن الوزارة أحصت حوالي 565 سوقا لبيع الماشية بمختلف جهات المملكة من بينها 35 سوقا مؤقتا جرى إعدادها بشكل مباشر من طرف الوزارة، إلى جانب 454 سوقا جرى تجهيزها من طرف الجماعات الترابية و76 نقطة بيع داخل الأسواق الكبرى ونقط للبيع المباشر وذلك في إطار ما وصفه بـ”تعزيز نقاط البيع وضمان تموين الأسواق في أفضل الظروف”.
وأوضح الوزير أن هذه التدابير تندرج ضمن خطة أوسع لتنظيم الأسواق وتتبع وضعيتها خلال الفترة المتبقية قبل عيد الأضحى، مؤكدا أن السلطات تعمل أيضا على تتبع مسار الأغنام والماعز الموجهة للذبح وتعزيز المراقبة الصحية المرتبطة بالأعلاف والمواد المستعملة في التسمين.
وفي هذا الإطار، كشف البواري أن وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية أصدرتا منذ يناير الماضي دورية مشتركة تتعلق بتشديد المراقبة على الأعلاف والمواد المستعملة في تغذية الأضاحي، في وقت جرى فيه اعتماد ترخيص مسبق لتنقيل فضلات الدواجن بهدف تتبع مسارها ووجهتها ومنع استعمالها بشكل غير قانوني في عمليات التسمين التي كانت خلال السنوات الماضية تثير الكثير من الجدل والمخاوف الصحية.
كما أعلن الوزير أن المصالح البيطرية التابعة للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “أونسا” قامت إلى غاية 12 ماي 2026، بتسجيل حوالي 162 ألف وحدة لتسمين الأغنام والماعز، في مؤشر يعكس حجم النشاط المرتبط بسوق الأضاحي الذي يعد واحدا من أكبر الأسواق الموسمية بالمغرب من حيث حجم التداول المالي وعدد المتدخلين فيه.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن “وفرة كبيرة في العرض” بمختلف جهات المملكة مع توفر خيارات متنوعة من حيث السلالات والأحجام والأثمنة، بدأت جماعات ترابية عديدة في مختلف المدن بإصدار قرارات تنظيمية صارمة تمنع بيع الأضاحي داخل الأحياء السكنية والأزقة والشوارع و”الكراجات” مع حصر عمليات البيع داخل الأسواق الأسبوعية والأسواق المؤقتة والرسمية المخصصة لهذه المناسبة.
وحمّلت هذه القرارات السلطات المحلية والأمنية مسؤولية السهر على تنفيذها، مع التحذير من اتخاذ إجراءات زجرية في حق المخالفين وذلك بعد سنوات من الشكاوى المرتبطة بتحول عدد من الأحياء إلى فضاءات عشوائية لبيع المواشي، بما يرافق ذلك من احتلال للملك العمومي وانتشار النفايات ومخلفات الأغنام والروائح الكريهة فضلا عن غياب المراقبة الصحية والبيطرية الدقيقة.
لكن، ورغم الترحيب الذي أبداه عدد من المهنيين بهذه الإجراءات من حيث المبدأ، فإنهم يعتبرون أن المقاربة الحالية تطرح إشكالا آخر يتعلق بالكلفة الاقتصادية لهذا “التنظيم” ومن يتحملها فعليا.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الفلاحي والكساب جامع أوفقير لـ “الصحيفة” أن المهنيين جميعهم رحبوا بقرارات منع بيع الأضاحي داخل الأحياء السكنية، لما لذلك من دور في تنظيم القطاع وحماية المواطنين من الفوضى والعشوائية بيد أنه شدد في المقابل على ضرورة اعتماد مجانية الولوج إلى الأسواق المخصصة للبيع خلال هذه الفترة.
وأكد أوفقير أن سوق الأضاحي لم يعد اليوم يشتغل بالمنطق التقليدي نفسه الذي كان سائدا قبل سنوات حيث كان الكساب ينتقل مباشرة إلى الأحياء الشعبية أو الأسواق القريبة لبيع مواشيه بهامش ربح محدود ودون تكاليف إضافية كبيرة، موضحا أن مربي الماشية باتوا يواجهون سلسلة طويلة من النفقات المتراكمة التي تبدأ منذ اقتناء الأعلاف وتنتهي عند وصول الأضحية إلى نقطة البيع.
وأشار إلى أن أسعار العلف والنقل والمحروقات والعناية البيطرية عرفت خلال المواسم الأخيرة ارتفاعات متتالية، تزامنا مع تأثيرات الجفاف وتراجع المراعي الطبيعية ما جعل تكلفة تربية الرأس الواحد ترتفع بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية.
وأضاف المتحدث أن عددا من صغار الكسابة كانوا يعتمدون على البيع المباشر داخل الأحياء والأزقة كوسيلة لتقليص جزء من هذه المصاريف، خصوصا تلك المرتبطة بكراء الفضاءات ورسوم الولوج والخدمات اللوجستية والحراسة داخل الأسواق المنظمة غير أن القرارات الجديدة التي تحصر عمليات البيع داخل الأسواق الرسمية والمؤقتة تجعلهم اليوم مطالبين بتحمل أعباء إضافية لا يملكون في كثير من الأحيان هامشا ماليا لاستيعابها.
واعتبر أن هذه التكاليف، مهما بدت بسيطة بشكل منفصل تتحول في النهاية إلى عنصر إضافي داخل السعر النهائي للأضحية لأن الكساب “لا يستطيع البيع بأقل من تكلفة الإنتاج والتسويق” وهو ما يؤدي عمليا إلى انتقال العبء المالي نحو المستهلك النهائي.
وشدد أوفقير على أن الإشكال لا يتعلق فقط بتنظيم الفضاءات أو إنهاء البيع العشوائي داخل الأحياء بل أيضا بطريقة تدبير هذا الانتقال نحو سوق أكثر تنظيما متسائلا عن مدى قدرة صغار المربين على الاستمرار داخل هذا النموذج الجديد في ظل ارتفاع الكلفة وتزايد الرسوم مقابل استفادة فاعلين أكبر يملكون إمكانيات لوجستية ومالية تسمح لهم بالتكيف بسهولة أكبر مع شروط الأسواق المنظمة.
ويرى أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول تنظيم السوق بشكل غير مباشر، إلى عامل يسرّع تراجع صغار الكسابة ويزيد من تركّز النشاط في يد عدد محدود من الفاعلين وهو ما قد ينعكس مستقبلا على بنية السوق والأسعار معا.
ويأتي هذا الجدل في وقت يعيش فيه قطاع تربية الماشية بالمغرب ضغوطا متواصلة منذ سنوات بسبب توالي مواسم الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع المراعي الطبيعية، وهي العوامل التي أثرت بشكل مباشر على تكلفة تربية القطيع وهوامش الربح لدى المربين.
وخلال السنوات الأخيرة، اضطرت أعداد من الكسابة الصغار إلى تقليص نشاطها أو مغادرة القطاع نهائيا بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة الحفاظ على القطيع في وقت تحولت فيه تربية الأغنام تدريجيا إلى نشاط أكثر تركيزا في يد فاعلين أكبر قدرة على تحمل تقلبات السوق وتكاليف التسمين والعلف.
ويؤكد المهنيون الذين تواصلت معهم “الصحيفة” أن الحديث الرسمي عن “وفرة العرض” لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، خصوصا أن السوق يخضع أيضا لمنطق الوسطاء والمضاربة الموسمية، حيث تمر الأضحية أحيانا عبر أكثر من وسيط قبل وصولها إلى المستهلك النهائي ما يرفع هامش الربح ويضاعف السعر النهائي للخروف.
من جهة ثانية، فإن التحولات الجارية داخل سوق الأضاحي تكشف تغيرا تدريجيا في طبيعة هذا النشاط الموسمي الذي كان لعقود يقوم على العلاقات المباشرة بين “الكساب” والأسر داخل الأحياء والأسواق الشعبية، قبل أن يتحول اليوم إلى منظومة أكثر تنظيما ومراقبة لكنها أيضا أكثر كلفة وتعقيدا.
ولم تعد السلطات تكتفي فقط بمراقبة الجوانب الصحية المرتبطة بالأضاحي، بل أصبحت تتجه نحو إعادة ضبط المجال التجاري المرتبط بها بشكل كامل عبر حصر البيع داخل فضاءات محددة وتشديد المراقبة البيطرية، وتتبع مسار الأعلاف ووسائل التسمين، وإخضاع حركة القطيع لإجراءات أكثر صرامة.
غير أن هذا التحول بحسب المهنيين، يتم دون مواكبة حقيقية لصغار الكسابة أو اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين ما يجعل جزءا من الرأي العام يعتبر أن السلطات تنجح في ضبط الفوضى التنظيمية لكنها لا تقدم حلولا فعلية للفوضى السعرية التي تتكرر كل موسم.
وفي ظل استمرار موجة الغلاء التي طالت مختلف المواد الأساسية والمحروقات والخدمات باتت الأضحية بالنسبة لعدد متزايد من الأسر المغربية عبئا ماليا ثقيلا، بعدما كانت لسنوات رمزا اجتماعيا ودينيا مرتبطا بطقوس جماعية مترسخة داخل المجتمع المغربي.