زلزال قضائي في الناظور.. أحكام مشددة في قضية “مافيا التأشيرات” التي تورّط فيها موظف بالقنصلية الإسبانية

أريفينو : 12 نوفمبر 2025
في تطور وصف بـ”الزلزال القضائي”، أصدرت المحكمة الجنائية الابتدائية بمحكمة الاستئناف في الناظور، أحكامًا قاسية في واحدة من أكثر قضايا الفساد تعقيدًا وخطورة، والمعروفة إعلاميًا بـقضية تزوير ملفات التأشيرات الخاصة بالقنصلية الإسبانية.
القضية التي هزّت الرأي العام أطاحت بـ14 شخصًا، من بينهم موظف بالقنصلية الإسبانية ووسطاء وسماسرة وأصحاب وكالات مختصة بإعداد ملفات الهجرة، بعد أن كشفت التحقيقات عن شبكة منظمة تبيع “الحلم الأوروبي” مقابل المال، مستعملة الوثائق المزورة والتواطؤ الإداري كوسيلة للربح غير المشروع.
وقضت المحكمة بـ 6 سنوات سجنا نافذا وغرامة قدرها 20 ألف درهم في حق خمسة متهمين رئيسيين، من بينهم صاحب وكالة بازغنغان وثلاثة من شركائه، إضافة إلى الموظف القنصلي الإسباني الذي وُصف بـ”العقل المدبر” للشبكة، والمسؤول عن تمرير الملفات المزورة عبر القنوات الرسمية للقنصلية.
كما أصدرت الهيئة القضائية أحكامًا أخرى متفاوتة، تراوحت بين خمس سنوات في حق أحد المتهمين، وأربع سنوات لمستخدم بنكي تورّط في تسهيل تحويلات مالية مشبوهة، وثلاث سنوات حبسا في حق الوسيط الرئيسي “م.ج” وثلاثة من شركائه. أما العاملون في وكالات إعداد الملفات، فقد نالوا أحكامًا تراوحت بين أربعة وخمسة أشهر، بعد أن ثبت تورّطهم في إعداد وثائق مزيفة لفائدة زبناء مقابل مبالغ مالية.
“بيع الأمل”.. تجارة مربحة على حساب القانون
التحقيقات كشفت أن الشبكة استعملت وكالات محددة بالناظور كواجهة لترويج ملفات مشبوهة تتضمن كشوفات بنكية وهمية وتوقيعات مزورة، لتمريرها إلى القنصلية الإسبانية على أنها وثائق أصلية.
النيابة العامة فتحت التحقيق بعد شكاوى متعددة من مواطنين دفعوا مبالغ مالية ضخمة لوكالات وعدتهم بتأشيرات “مضمونة”، قبل أن يُفاجأوا برفض طلباتهم من طرف القنصلية.
وبناءً على ذلك، باشرت الشرطة القضائية بالناظور تحقيقًا مكثفًا استمر أسبوعين، أسفر عن تفكيك الشبكة وإيقاف عناصرها من الوسطاء إلى الموظف القنصلي، قبل أن تتوسع دائرة البحث لتشمل مسؤولة إدارية ومنعشًا سياحيًا معروفًا بالمنطقة كان يمد الشبكة بأسماء الزبناء.
تورّط قنصلي يهزّ الثقة في المؤسسات الأجنبية
القضية لم تقتصر على الطابع الإجرامي، بل أثارت غضبًا واسعًا في الأوساط الحقوقية بعد انكشاف تورط موظف رسمي داخل القنصلية الإسبانية، ما اعتبره مراقبون “ضربة قوية لمصداقية التمثيليات الدبلوماسية الأجنبية بالمغرب”.
وأكد حقوقيون أن ما جرى “ليس مجرد عملية تزوير”، بل منظومة فساد عابرة للحدود تستغل هشاشة الشباب المغربي ورغبته في الهجرة، داعين إلى إعادة هيكلة نظام الوساطة في ملفات التأشيرات وفرض رقابة صارمة على الوكالات الخاصة التي تحوّلت إلى أوكار للاحتيال تحت غطاء الخدمات الإدارية.
القضية – التي أنهت مسار أحد أكبر ملفات الفساد المرتبطة بالهجرة – تُعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية المشتركة بين الجانب المغربي والإسباني في حماية نزاهة إجراءات التأشيرات، وتطرح بحدة ضرورة تجفيف منابع “تجارة الأمل” التي ما زالت تغذيها شبكات النصب والإجرام المنظمة.
تعليق نقدي على الحكم: غياب عناصر الجريمة وضعف التكييف القانوني
ورغم الضجة الإعلامية التي رافقت هذه القضية، فإن عدداً من الملاحظات القانونية أثارها متتبعون، مؤكدين أن الحكم الصادر لم يستند إلى أركان ثابتة تبرر وصف الملف بـ”شبكة منظمة” أو “عصابة إجرامية”.
فحسب إفادات الأطراف ومجريات الوقائع، لم تظهر معالم واضحة لتنظيم إجرامي يتوفر فيه شرط الاتفاق المسبق، وتوزيع الأدوار، والاستمرارية، كما يقتضي القانون الجنائي المغربي لتعريف “عصابة إجرامية”.
كما أن الملف – بخلاف ما تم ترويجه – خَلَا من عناصر النصب والاحتيال. إذ لم يتقدم أي ضحية بصفة رسمية بشكاية مباشرة، ولم تُثبت أي عملية استيلاء على أموال عبر وسائل تدليسية. معظم المعاملات تمت داخل وكالات معروفة وبشكل علني، ما يجعل وصفها بأنها “عمليات احتيال ممنهجة” أمرًا بحاجة إلى إعادة نظر.
إضافة إلى ذلك، فإن المحاضر المنجزة لدى الشرطة القضائية شابتها عدة مؤاخذات، أبرزها أن بعض المتهمين أكدوا أن توقيعهم عليها تم تحت الضغط والتهديد أثناء الاستماع الأولي، مما يفقد هذه التصريحات قيمتها القانونية وفق مبادئ العدالة الجنائية وضمانات الاستماع المنصوص عليها في الدستور والاتفاقيات الدولية.
وبناءً على هذه المعطيات، يرى مراقبون أن الأحكام الصادرة جاءت قاسية وغير متناسبة مع الوقائع التي لم تُدعّم بأدلة مادية قوية، ما يجعل هذا الحكم مرشحًا لانتقادات واسعة، ويفتح الباب أمام إمكانية الاستئناف والطعن في أساس التكييف القانوني الذي بُني عليه.