سياسة السدود بالمغرب: حكمة الحسن الثاني التي أنقذت الأرواح والممتلكات، ورؤية واصلها محمد السادس لتعزيز السيادة المائية

أريفينو : 7 فبراير 2026
ابراهيم ادريسي
منذ ستينيات القرن الماضي، اتخذ الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله قرارًا استراتيجيًا سيظل من أبرز علامات الحكامة والاستشراف في تاريخ الدولة المغربية، حين جعل من بناء السدود سياسة عمومية ثابتة، لا تخضع للظرفية ولا للضغوط الآنية، بل تنبع من قناعة راسخة بأن التحكم في الماء هو خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين واستقرار البلاد.
وفي صميم هذه الرؤية، كان التحكم في الموارد المائية يُنظر إليه باعتباره ركيزة من ركائز السيادة الوطنية، إذ يضمن التزويد بالماء الصالح للشرب، ويخدم الزرع والحرث وسقي الأراضي الفلاحية، ويشكل دعامة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، خصوصًا في بلد تتقاطع فيه الفلاحة مع الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وفي زمنٍ كانت فيه الفيضانات تُخلّف خسائر بشرية ومادية جسيمة، اختار الحسن الثاني أن يستبق الخطر بدل الاكتفاء بمواجهة نتائجه. فالسدود التي أُنجزت في عهده لم تكن مشاريع تنموية فقط، بل كانت وسائل وقاية وحماية، صُمّمت لاستيعاب السيول، وتخفيف حدّة الفيضانات، وحماية المدن والقرى الواقعة في الأحواض المائية والمناطق المنخفضة.
وقد برهنت الأحداث المناخية الأخيرة التي عرفتها عدة مناطق من المملكة، خاصة في الشمال والغرب، على عمق هذه الرؤية. فبفضل السدود، تم امتصاص كميات كبيرة من المياه، ومنع اندفاعها العنيف نحو التجمعات السكنية، ما ساهم بشكل مباشر في إنقاذ الأرواح وصون الممتلكات والبنيات التحتية من دمار واسع.
ولم تتوقف هذه السياسة الاستراتيجية عند جيلٍ واحد، بل واصلها وارث سرّها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، من خلال تعزيز شبكة السدود، وتنويع مصادر الماء، وتطوير مشاريع كبرى في مجال الأمن المائي، بما ينسجم مع تحديات التغيرات المناخية ويكرّس استمرارية الدولة في حماية مواطنيها وضمان حاجياتهم الحيوية.
إن سياسة السدود، كما أرساها الحسن الثاني رحمه الله وعمّقها محمد السادس نصره الله، تمثل نموذجًا واضحًا للتخطيط الاستباقي الذي ينقذ الأرواح قبل وقوع الكوارث، ويحمي الممتلكات قبل ضياعها، ويؤكد أن الحكامة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على التحضير للمستقبل لا الاكتفاء بردّ الفعل.