في سياق الجدل الأمريكي حول سبتة ومليلية.. تحركات عسكرية إسبانية جديدة في صخور الحسيمة

أريفينو.

عاد ملف الجزر والصخور الواقعة قبالة السواحل المغربية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، عقب الزيارة التفقدية التي قام بها الجنرال الاسباني خوليو سالوم هيريرا، رئيس قيادة جزر الكناري وقائد العمليات البرية المشتركة في الجيش الإسباني، إلى صخور الحسيمة، في خطوة بدت، من حيث التوقيت وطبيعة الرسائل المرافقة لها، أبعد من مجرد جولة عسكرية دورية لتفقد الحاميات والوحدات المنتشرة في تلك النقاط.

الزيارة، التي حظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإسبانية، أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة أن هذه الجيوب البحرية الصغيرة ظلت لعقود طويلة مرتبطة بتوازنات سياسية وأمنية معقدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، وبسجالات متواصلة حول التاريخ والسيادة والتموقع الاستراتيجي في المنطقة.

وحرصت المؤسسة العسكرية الإسبانية، عبر المنصات الرسمية التابعة لقيادة جزر الكناري، على إبراز الطابع العملياتي للزيارة، مشيرة إلى أن الجنرال سالوم وقف ميدانياً على أنشطة “المراقبة والحضور”التي تنفذها الوحدات العسكرية المرابطة هناك، كما التقى بالعناصر المكلفة بتأمين هذه المواقع وبالحكام العسكريين المسؤولين عنها، في إطار ما وصفته مدريد بالجولات الدورية المرتبطة بتقييم الجاهزية الدفاعية في الجناح الجنوبي لإسبانيا.

غير أن التغطية الإعلامية الإسبانية المرافقة لهذه التحركات حملت أبعادا تتجاوز الجانب العسكري التقني، إذ جرى التركيز بشكل لافت على الأهمية “الرمزية والاستراتيجية”لهذه الصخور والجزر، وعلى كونها تمثل جزءا من منظومة الدفاع الإسبانية في غرب المتوسط، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الحساس المطل على بحر البوران والممرات البحرية المؤدية إلى مضيق جبل طارق.

وتعتبر صخرة بادس من أكثر هذه الجيوب إثارة للانتباه بسبب خصوصيتها الجغرافية، فهي تقع على مسافة قريبة جدا من اليابسة المغربية، وتحولت بفعل التغيرات الطبيعية التي شهدتها المنطقة خلال القرن الماضي إلى شبه جزيرة متصلة عمليا بالساحل عبر ممر رملي ضيق، ما يجعلها واحدة من أكثر النقاط تعقيدا من الناحية الجغرافية والسياسية في شمال إفريقيا، حيث تضم الصخرة حامية عسكرية صغيرة يتم تأمينها بشكل دوري بواسطة وسائل النقل البحري والجوي التابعة للجيش الإسباني.

وفي خلفية هذه التحركات العسكرية، يبرز سياق سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، خاصة بعد الجدل الذي أثارته خلال الأشهر الأخيرة بعض المواقف والتقارير الصادرة عن دوائر سياسية أمريكية بشأن وضع مدينتي سبتة ومليلية والجزر المرتبطة بهما.

فالصياغات التي وردت في بعض الوثائق والتقارير الأمريكية، والتي تحدثت عن المدينتين باعتبارهما “تداران من قبل إسبانيا وتقعان على أراض مغربية”، أثارت نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، بالنظر إلى ما اعتبر حينها مؤشرا على وجود مقاربة أمريكية أقل حدة في تبني الرواية الإسبانية التقليدية المرتبطة بالسيادة على هذه المناطق.

ورغم أن واشنطن لم تعلن أي تغيير رسمي في موقفها، فإن مجرد بروز هذا النقاش داخل مؤسسات أمريكية كان كافيا لدفع قطاعات واسعة في إسبانيا إلى إعادة تسليط الضوء على هذه الجيوب البحرية، سواء من خلال الخطاب الإعلامي أو عبر تكثيف الإشارات العسكرية والرمزية المرتبطة بها.

وفي هذا الإطار، تبدو زيارة الجنرال اللسباني لهذه الجيوب جزءا من توجه إسباني أوسع يهدف إلى إبراز الحضور العسكري والمؤسساتي في هذه النقاط، وتأكيد ارتباطها المباشر بالمنظومة الدفاعية الإسبانية، خاصة في ظل التحولات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا، والتطور المتسارع في قضايا الأمن البحري والهجرة والطاقة والممرات التجارية في غرب المتوسط.

كما تعكس هذه التحركات حرص مدريد على توجيه رسائل سياسية مفادها أن هذه الجيوب ما تزال تحظى بأولوية داخل العقيدة الدفاعية الإسبانية، وأنها تشكل جزءا من مجالها الأمني والاستراتيجي، خصوصا مع تزايد الحديث داخل إسبانيا عن ضرورة تعزيز أنشطة “الحضور والردع واليقظة” في الجناح الجنوبي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *