كيف نصنع بلداً يحبه المواطن والسائح معاً؟

أريفينو.18 مايو 2026

إن أول إجراء استراتيجي وعملي ينبغي أن يقوم به رئيس الحكومة المقبل ليس إطلاق الوعود الكبرى، ولا الإعلان عن مشاريع ضخمة بملايير الدراهم، بل يتمثل في إطلاق ورش وطني شامل لإعادة تنظيم المجال العام وتحسين جودة الحياة اليومية للمواطنين وجعل المغرب أكثر جمالاً ونظافةً وانضباطاً وجاذبيةً للسياح والمستثمرين.

فالدول لا تُقاس فقط بحجم بناياتها أو قوة اقتصادها، بل أيضاً بجمالية مدنها، ونظافة شوارعها، واحترام قوانينها، وحسن تدبير فضاءاتها العمومية، ومدى شعور المواطن والزائر بالراحة والطمأنينة داخلها. كما أن التنمية الحقيقية لا ترتبط دائماً بالمشاريع العملاقة، بل أحياناً تكون مرتبطة بأمور بسيطة في تكلفتها، لكنها عميقة جداً في أثرها الحضاري والنفسي والسياحي والاقتصادي.

لقد استطاعت عدة دول في العالم أن تتحول إلى قبلة للسياح وإلى نماذج عالمية في الجاذبية والاستقرار، ليس فقط بسبب تاريخها أو طبيعتها، بل لأنها اهتمت بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير. فعندما نزور فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا أو سويسرا أو اليابان أو تركيا، نكتشف أن سر نجاحها لا يكمن فقط في المعالم التاريخية أو المناظر الطبيعية، بل في احترام الفضاء العام، ونظافة الشوارع، وجودة الخدمات، وتناسق العمران، وتنظيم السير، والعناية بالحدائق، واحترام الراجلين، وهدوء المدن، وحسن استقبال الزوار، والرقمنة، والانضباط، واحترام الإنسان.

ومن هذا المنطلق، أرى أن أول خطوة ذكية وجريئة ينبغي أن تتخذها الحكومة المقبلة هي إحداث لجنة وطنية عليا للكفاءات المغربية، تضم نخبة من المهندسين، والأطباء، والخبراء في الإدارة، والبيئة، والسياحة، والتعمير، والنقل، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والتواصل، والأمن، والتنمية الترابية، وغيرها من التخصصات ذات الصلة.

وتكون مهمة هذه اللجنة القيام بجولات ميدانية مدروسة إلى الدول الأكثر نجاحاً في المجال السياحي والتنظيم الحضري، من أجل دراسة التجارب الناجحة على أرض الواقع، وتسجيل كل التفاصيل التي تجعل تلك الدول جميلة ومنظمة وجذابة ومحبوبة لدى السياح والمواطنين على حد سواء.

فالأمر لا يتعلق فقط بالمشاريع الكبرى، بل بالتفاصيل اليومية التي يراها الزائر منذ لحظة وصوله إلى المطار إلى غاية مغادرته البلاد. ويتعلق الأمر أيضاً بطريقة تدبير النفايات، وجودة المراحيض العمومية، وتنظيم الأسواق، واحترام الطوابير، وسهولة التنقل، وجمالية الأرصفة، ووضوح التشوير، ونظافة وسائل النقل، والعناية بالمساحات الخضراء، ومحاربة الضجيج، واحترام الوقت، وطريقة تعامل الموظفين مع المواطنين والسياح، ومدى احترام القانون في الفضاء العام.

وبعد انتهاء هذه الجولات، تقوم اللجنة بإعداد تقرير وطني شامل يتضمن أهم الملاحظات والتجارب الناجحة والحلول العملية القابلة للتطبيق في المغرب، مع اقتراح نموذج تنموي مغربي حديث يجمع بين الأصالة المغربية وأفضل الممارسات العالمية في مجال التنظيم والجمال وجودة الحياة.

إن المغرب يتوفر بالفعل على مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية هائلة. فهو بلد التاريخ العريق، والتنوع الثقافي، والموقع الجغرافي المتميز، والمناخ المتنوع، والضيافة المغربية الأصيلة. لكنه في المقابل يحتاج إلى ثورة حقيقية في ثقافة النظام والجمال واحترام الفضاء العام.

فالسائح في عصرنا الحالي لا يبحث فقط عن الفنادق الفخمة أو المعالم التاريخية، بل يبحث أيضاً عن الراحة النفسية، والنظافة، والأمن، والهدوء، وسهولة التنقل، وجودة الخدمات، والابتسامة، واحترام الإنسان. وهذه الأمور لا تتطلب دائماً ميزانيات ضخمة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وحسن تدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن تحسين بعض التفاصيل البسيطة قد يغير صورة المغرب بشكل جذري أمام العالم. فتوحيد واجهات المحلات، وتنظيم اللوحات الإشهارية، والعناية بالأرصفة، وتحسين الإنارة العمومية، وتوفير مراحيض نظيفة، ومحاربة احتلال الملك العمومي، واحترام قوانين السير، وتكوين العاملين في القطاع السياحي، كلها إجراءات تبدو بسيطة، لكنها تساهم بشكل مباشر في بناء صورة حضارية قوية عن البلد.

ويزداد هذا الورش الوطني أهمية بالنظر إلى أن المغرب مقبل على حدث تاريخي عالمي يتمثل في المشاركة في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. فهذه التظاهرة الرياضية الكبرى لن تكون مجرد منافسة كروية، بل ستكون فرصة ذهبية لتسويق صورة المغرب أمام مئات الملايين من المشاهدين والزوار من مختلف أنحاء العالم.

ولذلك، فإن المغرب مطالب من الآن بأن يكون في أتم الجاهزية والاستعداد، ليس فقط من خلال بناء الملاعب والبنيات التحتية الكبرى، بل أيضاً عبر تحسين تفاصيل الحياة اليومية داخل المدن المغربية، حتى يظهر بلدنا في أبهى صورة حضارية وتنظيمية وسياحية أمام العالم.

فنجاح تنظيم كأس العالم لا يُقاس فقط بجودة الملاعب، بل أيضاً بنظافة المدن، وجودة النقل، وحسن الاستقبال، وسهولة التنقل، واحترام القانون، وجمالية الفضاءات العمومية، ومستوى الخدمات المقدمة للسياح والجماهير الرياضية. وهي كلها عناصر ستساهم في ترسيخ صورة إيجابية ودائمة عن المغرب لدى الزوار ووسائل الإعلام الدولية.

إن الدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بالصدفة، بل عبر التعلم المستمر، والانفتاح على تجارب الآخرين، والاستفادة من كل فكرة ناجحة مهما كانت صغيرة. والمغرب بدوره قادر على أن يصبح من أجمل وأرقى الوجهات السياحية في العالم، إذا جعل من ثقافة النظام والجمال والانضباط أولوية وطنية حقيقية.

وفي الأخير، فإن حب الوطن لا يكون فقط بالشعارات والخطب، بل أيضاً بالبحث عن الأفكار العملية التي تجعل حياة المواطنين أفضل، وتجعل المغرب أكثر إشراقاً وجاذبية واحتراماً في أعين العالم. ولذلك، فإنني أعتبر أن إطلاق هذا الورش الوطني الحضاري يجب أن يكون أول إجراء يقوم به رئيس الحكومة المقبلة، لأنه استثمار في صورة المغرب، وفي راحة المواطن، وفي مستقبل الأجيال القادمة.

نورالدين البركاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *