لحل أزمة نقص العمال.. ضيعات المغرب تفتح أبوابها لمهاجري غرب إفريقيا

أريفينو.
في عمق المناطق الزراعية الخصبة بالمغرب، تجوب شاحنات صغيرة تقل مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء وسط بحر من البيوت البلاستيكية التي تنتج الفواكه والخضروات الطازجة الموجهة لأسواق أوروبا وغرب إفريقيا.
بعض هؤلاء العمال – ومعظمهم من دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية – كانوا يعتزمون التوجه إلى أوروبا، لكنهم أرجؤوا ذلك للعمل في المغرب، لسد فجوة متزايدة في اليد العاملة الزراعية المحلية.
هذا التوجه يعكس تحولا في دور المغرب ضمن مسارات الهجرة الدولية، حيث أصبح وجهة استقرار أكثر منه مجرد بلد عبور، وهو ما يساهم في تراجع محاولات الهجرة نحو أوروبا.
ومن شأن تشديد مراقبة الحدود، إلى جانب توفر فرص العمل في القطاع الزراعي، في وقت يهاجر فيه المغاربة من القرى إلى المدن للعمل في البناء والخدمات، أن يعزز هذا التحول.
تجسد سهول اشتوكة في جهة سوس-ماسة، على بعد 50 كيلومترا جنوب مدينة أكادير، هذه الدينامية الجديدةّ، إذ تمتد الزراعة داخل البيوت البلاستيكية على أكثر من 24 ألف هكتار، وتنتج أكثر من أربعة أخماس صادرات المغرب من الفواكه والخضروات، ما ساهم في ارتفاع الصادرات الزراعية بنسبة 3.6 في المائة لتصل إلى 4.5 مليار دولار العام الماضي.
قال عبد الفتاح عليو – Abdulfattah Aliou (23 عاما)، وهو مهاجر من توغو، إنه قدم إلى آيت عميرة بعد سماعه بوجود فرص عمل، وكان قد حاول في البداية الوصول إلى أحد الجيوب الإسبانية شمال المغرب، قبل أن تنقله السلطات المغربية إلى الجنوب.
وأضاف: “العمل أفضل من التسول في الشوارع”، وذلك بعد يوم عمل في ضيعة لإنتاج الطماطم.
نقص في اليد العاملة
هذا التوجه، الذي يصعب قياسه بدقة بسبب غياب إحصائيات رسمية حول الهجرة غير النظامية، يعزى إلى تحولات اقتصادية واجتماعية، بحسب مزارعين ومسؤولين.
بعد سنوات من الجفاف، انتقل العديد من الشباب المغاربة إلى المدن، مدفوعين بفرص العمل في قطاعات البناء والخدمات، وأدى ذلك إلى تراجع عدد العاملين في الزراعة، التي فقدت 1.7 مليون وظيفة منذ سنة 2000 نتيجة تراجع الفلاحة المعيشية.
اليوم، لم يعد سوى ربع المغاربة يشتغلون في الفلاحة، مقابل نصف السكان قبل عقدين.
أما الذين ما زالوا في القطاع، فيطالبون بأجور أعلى أو يفضلون نظام “العمل بالقطعة”، حيث يتم الدفع مقابل كل صندوق يتم ملؤه أو صف يتم حصاده، وفقا للمزارعين.
وقد تصل الأجور في هذه الحالة إلى 500 درهم يوميا، أي أكثر من خمسة أضعاف ما يتقاضاه مهاجرون مثل عليو.
في المقابل، تحول بعض المزارعين إلى زراعة محاصيل تصديرية تتطلب يدا عاملة أكثر، مثل الفراولة والتوت الأحمر والأزرق.
وقال عبد العزيز المعناوي، رئيس جمعية للمنتجين في سهول اشتوكة: “لولا اليد العاملة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، لاضطر عدد من الضيعات إلى الإغلاق أو تقليص الإنتاج”.
ورغم أن أغلب هذه العمالة تشتغل بشكل غير رسمي، فقد حصل أكثر من 50 ألف مهاجر على وضع قانوني في المغرب منذ 2013.
ودعا المعناوي إلى تسهيل المساطر الإدارية لتمكين الضيعات من تشغيل المهاجرين بشكل قانوني، خاصة في ظل احتمال تفاقم نقص اليد العاملة مع تراجع معدل الخصوبة في المغرب إلى 1.9 طفل لكل امرأة، وهو أقل من مستوى التعويض.
ويتوقع أن تبلغ استثمارات المغرب في السكك الحديدية والطرق والملاعب والمطارات، استعدادا لكأس العالم 2030، نحو 190 مليار درهم خلال السنوات الأربع المقبلة (حوالي 20 مليار دولار)، أي ما يعادل 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما سيجذب مزيدا من العمال إلى المدن.
وقال رشيد بنعلي، رئيس الكونفدرالية الوطنية للفلاحة (كومادر): “عندما يعتاد الناس على الحياة الحضرية، يصعب إعادتهم للعمل في القرى”.
وأضاف أن هناك “نقصا هيكليا في اليد العاملة الزراعية، سواء المؤهلة أو غير المؤهلة، على الصعيد الوطني”، مما قد يهدد تنافسية القطاع، مؤكدا أن “المغرب لم يعد يتمتع بميزة اليد العاملة الرخيصة”.
تحولات ديموغرافية
من جانبه، قال Alioun Dialou (48 عاما)، وهو سنغالي يعمل في الضيعات المغربية منذ 2008، إن التغيرات أعادت تشكيل آيت عميرة، التي تضاعف عدد سكانها أربع مرات خلال ثلاثة عقود ليصل إلى 113 ألف نسمة، مدفوعا أساسا بقدوم العمال المهاجرين.
وأوضح أن المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء أصبحوا يعوضون تدريجيا العمال المغاربة مع تقدمهم في السن، ويجتمع هؤلاء العمال عند الفجر في مكان يعرف بـ”الموقف” على الطريق الرئيسية، حيث يتفاوضون مع سائقي الشاحنات حول أجر يوم العمل.
وبينما كان يخطط سابقا للهجرة إلى أوروبا، فإنه يعتزم الآن الاستقرار في المغرب، حيث تتابع ابنته (11 عاما) دراستها بإحدى المدارس، وتتحدث الأمازيغية والدارجة المغربية.
ورغم أن بعض المهاجرين قد يستقرون بشكل دائم في المغرب، فإن آخرين لا يزالون يضعون أوروبا ضمن أهدافهم.
أما عليو، الذي يتقاضى حوالي 100 درهم يوميا، فيقول إنه ينام في العراء لتوفير المال من أجل استئجار غرفة وشراء حذاء متين وهاتف للتواصل مع أسرته التي لم يرها منذ أربع سنوات.
وأضاف: “يجب أن أجني بعض المال لأعيش وأرتاح قليلا… سأحاول الذهاب إلى أوروبا لاحقا”.