لماذا لا يستفيد المغاربة من انخفاض أسعار الذهب عالميا؟

أريفينو.

يشكل الذهب في المغرب حالة استثنائية بالنظر إلى كونه ملاذا آمنا للادخار، غير أن أسعاره داخل محلات البيع كثيراً ما تبدو منفصلة عن اتجاهات الأسواق العالمية، حيث لا تنعكس الانخفاضات الدولية بشكل مباشر على السوق المحلية، ما يثير استغراب المستهلكين ويطرح تساؤلات حول آليات تحديد الأسعار.

ففي الوقت الذي بلغ فيه سعر أونصة الذهب، الثلاثاء 7 أبريل 2026، حوالي 4.672 دولارا في الأسواق الدولية، مسجلا تراجعا واضحا مقارنة بمستويات يناير التي تجاوزت 5.200 دولار، يلاحظ أن سعر غرام الذهب في المغرب حافظ على مستويات شبه مستقرة، إذ يتراوح سعر عيار 18 قيراطا بين 1.090 و1.100 درهم، بينما يصل عيار 24 إلى حوالي 1.250 درهما، دون تغييرات توازي هذا الانخفاض العالمي.

وعند التجول بين محلات المجوهرات في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، يتبين أن سعر القطعة الواحدة قد يختلف من متجر إلى آخر، كما أن تراجع الأسعار في البورصات الدولية نادرا ما ينعكس بشكل فوري على الواجهات المحلية، وهو ما يعمق الفجوة بين السوقين.

في هذا السياق، يوضح مهنيون في قطاع الصياغة أن السوق المغربية تخضع لمنطق خاص، يتأثر بعدة عوامل تجعلها أقل ارتباطا بالتقلبات العالمية. ويؤكد أحد المهنيين أن الإقبال على الذهب يشهد نوعا من التباطؤ، رغم بقاء الأسعار مرتفعة نسبيا، مشيرا إلى أن القدرة الشرائية للمواطن أصبحت محدودة، ما ينعكس على حجم الطلب داخل المحلات.

ويرجع مهنيون هذا الوضع إلى إشكاليات مرتبطة أساسا بسلسلة التموين، إذ رغم توفر المغرب على مناجم للذهب والفضة، يتم تصدير الإنتاج بشكل كامل إلى الخارج من أجل التكرير، دون أن يعود إلى السوق الوطنية، وهو ما يحرم القطاع من مصدر مباشر للمادة الخام.

كما يعتمد الصاغة بشكل كبير على إعادة صهر الحلي القديمة، غير أن هذه العملية لا تغطي سوى نسبة محدودة من حاجيات السوق، لا تتجاوز في الغالب 10 إلى 15 في المائة، ما يفرض اللجوء إلى مصادر أخرى لتلبية الطلب.

وتزيد القيود الإدارية المرتبطة بعمليات الاستيراد من تعقيد الوضع، حيث تحدد سقوف مالية للتحويلات لا تتناسب مع حجم المعاملات في قطاع الذهب، ما يدفع بعض الفاعلين إلى البحث عن بدائل خارج القنوات الرسمية، وهو ما يساهم في رفع الكلفة منذ بداية سلسلة التزويد.

وتنعكس هذه الوضعية بشكل مباشر على الأسعار النهائية، حيث يضطر الصائغ إلى إضافة هامش ربح يغطي المخاطر والتكاليف، قد يتراوح بين 90 و150 درهما في الغرام، قبل احتساب مصاريف التصنيع.

كما تلعب طبيعة الفاعلين داخل السوق دورا مهما في تباين الأسعار، إذ يوجد فرق بين التاجر الذي يبيع منتجات جاهزة سبق اقتناؤها بأسعار قديمة، وبين الحرفي الذي يصنع القطع يدويا ويحدد سعره بناء على تكلفة اللحظة. لذلك، قد تختلف أسعار نفس القطعة من متجر لآخر بشكل ملحوظ.

إلى جانب ذلك، تمثل كلفة اليد العاملة عاملا أساسيا في تحديد السعر النهائي، حيث تتفاوت حسب طبيعة العمل، بين الصناعي اليدوي والتقليدي، وقد ترتفع بشكل أكبر كلما كان التصميم معقدا أو تضمن تفاصيل دقيقة أو أحجارا مضافة.

ويرى مهنيون أن غياب إطار تنظيمي واضح ينظم مسار تزويد السوق وآليات التسعير يساهم في استمرار هذه الاختلالات، في ظل عدم وجود تسعيرة رسمية ملزمة، وترك المجال مفتوحا أمام العرض والطلب وتقديرات كل تاجر على حدة.

وفي هذا السياق، تُطرح مقترحات لإحداث آلية مؤسساتية متخصصة في تدبير قطاع الذهب، من شأنها تنظيم عمليات الاستيراد والتوزيع، وتقليص الاعتماد على الوسطاء، بما قد يساهم في تحقيق شفافية أكبر وتقريب الأسعار المحلية من نظيرتها العالمية.

ورغم هذه التحديات، يظل الذهب يحتفظ بمكانته كأحد أهم وسائل الادخار لدى الأسر المغربية، نظرا لقدرته على الحفاظ على قيمته على المدى الطويل، ما يجعله خيارا مفضلا في فترات عدم الاستقرار الاقتصادي وتقلب الأسواق العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *