الاستقامة ليست مظهراً..

أريفينو.

أكثر ما يؤلمني ليس ضعف الإمكانات، ولا قلة الفرص، ولا حتى كثرة التحديات…
أكثر ما يؤلمني حقاً هو ذلك التناقض الصارخ بين المظهر والجوهر.

يؤلمني أن ترى أشخاصاً يحرصون على أداء الصلوات في أوقاتها، يحافظون على الصف الأول، ويُظهرون للناس صورة الإنسان الملتزم المستقيم… لكنك حين تتعامل معهم في التجارة، أو في العمل، أو في المسؤولية، تكتشف وجهاً آخر: غش في المعاملة، تحايل في الاتفاقات، كذب عند المصلحة، ونفاق عند الحاجة.
هؤلاء – في نظري – أخطر من غيرهم.

لأن الإنسان المعروف بعدم التزامه، أو الذي لا يتظاهر بالصلاح، غالباً ما تحتاط منه بطبيعتك. أما من يلبس ثوب الاستقامة ليكسب ثقتك، فهو يدخل إلى قلبك من باب الاطمئنان، ثم يفاجئك بعكس ما كنت تظن. وخيبة الأمل هنا لا تكون في شخص فقط، بل في صورة القيم نفسها.

الصلاة عبادة عظيمة، وهي عمود الدين وواجب علينا، لكنها ليست بطاقة تعريف اجتماعية تمنح صاحبها صكّ الثقة المطلق. فالصلاة الحقيقية لا تقتصر على حركات وسكنات، بل تنعكس أثراً في السلوك، وأمانة في المعاملة، وصدقاً في الكلمة، وعدلاً في الحكم.
قال تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”، فإذا لم يظهر أثرها في أخلاق صاحبها، فهناك خلل في الفهم أو في التطبيق.

المشكلة ليست في الصلاة، بل في تحويلها إلى واجهة اجتماعية.
حين تصبح وسيلة لكسب السمعة، أو أداة لتمرير المصالح، فإننا نسيء إلى جوهرها قبل أن نسيء إلى الناس.

إن المجتمعات لا تُبنى بالمظاهر، بل بالثقة.
والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمواقف.
ولا تُقاس بعدد الركعات، بل بمدى احترام الحقوق، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود.

لهذا وجب التنبيه:
لا تمنح ثقتك المطلقة بناءً على مظهر ديني فقط، ولا تحكم على الناس من مظاهرهم وحدها. راقب الأفعال، دقق في المعاملات، واختبر الصدق في المواقف الصعبة، فهناك يظهر المعدن الحقيقي.

نحن بحاجة إلى انسجام بين المسجد والسوق، بين العبادة والسلوك، بين الإيمان والضمير.
فأخطر أزمة قد نعيشها ليست أزمة اقتصاد أو سياسة، بل أزمة صدق.

والمجتمع الذي يخلط بين التدين الحقيقي والتدين الشكلي، يفتح الباب أمام فقدان الثقة، وتآكل القيم، وانتشار الرياء.

فلنكن واضحين مع أنفسنا قبل أن نكون واضحين مع غيرنا: القيم لا تُقاس بما نُظهره أمام الناس، بل بما نفعله عندما لا يرانا أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *