التفاهة في قبضة المؤثرين… حين تتحوّل مدن الريف إلى مسرح للسطحية الرقمية

اريفينو مقرش محمد
لم يعد المشهد الرقمي في مدن الريف المغربية، وتحديداً الناظور والحسيمة، مجرّد فضاء للتواصل، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لـ”مؤثرين” يقدّمون محتوى فارغاً يطفو على السطح ويجرف معه جزءاً من وعي الشباب. هؤلاء، سواء الذين يقيمون في أوروبا أو داخل المغرب، يشكّلون اليوم ظاهرة تستحق التشخيص والنقد المهني، بعدما أصبح تأثيرهم يتجاوز الشاشة إلى تشكيل أنماط تفكير وسلوك عند فئات واسعة من المتابعين.
صناعة التفاهة… بين العيش في الخارج وتسويق أوهام الرفاهية
عدد من المؤثّرين الذين يقيمون في دول أوروبية اختاروا تحويل حياتهم اليومية إلى مسلسل مفتوح على منصّات التواصل. ورغم ما تمنحه لهم بلدان الإقامة من فرصٍ للتطور واكتساب مهارات، إلا أن المحتوى الذي يقدّمونه يعيش في مستوى لا يعكس إلا سطحية واضحة. فيديوهات استعراضية، تصوير للتسوّق، تجارب يومية عادية تُقدّم كما لو أنها إنجازات، وافتعال مواقف درامية لا وظيفة لها إلا رفع نسب المشاهدة.
ورغم أن هذه المواد تُستهلك بسرعة، إلا أنها ترسّخ في وعي المتابعين صورة مشوّهة عن النجاح؛ نجاح مبني على المظاهر لا الكفاءات، وعلى الصدفة لا العمل.
داخل المغرب… صراعات مصطنعة و”بث حي” بلا مضمون
على الجانب الآخر، يواصل بعض المؤثرين المقيمين في المغرب نشر محتوى يقوم على الصراعات الافتراضية، تبادل الاتهامات، الخلافات العائلية، والتحديات السطحية. البث المباشر الذي يفترض أن يكون وسيلة تواصل أصبح عند الكثيرين فضاءً للفوضى الكلامية، والإساءة، واستعراض التفاصيل الشخصية، وكأن حياة الناس أصبحت مادة استهلاكية بلا أي احترام للخصوصية أو الذوق العام.
هذه المحتويات لا تقدّم معرفة ولا رأياً ولا تحليلاً، بل تبيع الفراغ في قالب صاخب يجذب المتابعين لفترة قصيرة لكنه يترك أثراً سلبياً طويل الأمد.
تأثير خطير على المراهقين… وتطبيع مع الانحدار
المتابعون الأصغر سناً هم الفئة الأكثر عرضة لهذا النمط من المحتوى. وفي غياب توجيه أسري أو إعلام بديل قوي، تتحول التفاهة إلى نموذج يُحتذى، وتُختزل مفاهيم النجاح في المشاهدات، وتصبح الفضائح طريقاً مختصراً للشهرة. هذا الواقع يسهم في خلق هوة بين الشباب وطموحاتهم الحقيقية، ويقوّض قيم الاجتهاد والجدية ويستبدلها بثقافة “الترند”.
المنصّات في قفص الاتهام… والدور الغائب للرقابة الذاتية
لا يمكن تحميل المؤثرين وحدهم مسؤولية انتشار المحتوى الرديء. فالخوارزميات التي تكافئ الضجيج على حساب الجودة، وضعف التشريعات التي تنظم المحتوى الرقمي، وانشغال الجمهور نفسه بالمثير والغريب، كلها عناصر تجعل من التفاهة سوقاً مزدهرة.
ورغم وجود مبادرات شبابية في الناظور والحسيمة لتقديم محتوى تعليمي، ثقافي، أو اجتماعي هادف، إلا أنها تبقى محاصرة في ظل الزخم الذي تصنعه الشخصيات الأكثر إثارة للجدل.
ما العمل؟
الحدّ من هذه الظاهرة لا يكون بمحاربة الأشخاص بقدر ما يكون بخلق بيئة تثمّن الجودة وتشجع المواهب الحقيقية. ويشمل ذلك:
• إطلاق برامج تدريب لصناع المحتوى الهادف.
• دعم المبادرات الإعلامية الجادة في الريف.
• تعزيز التربية الإعلامية لدى التلاميذ والشباب.
• مطالبة المنصّات بتطبيق معايير واضحة للمحتوى المسيء أو المضلل.
ظاهرة المؤثرين التافهين ليست قدراً، ولكن استمرارها دون محاسبة أو وعي سيجعل من التفاهة قاعدة ومن الجودة استثناءً. الناظور والحسيمة، بمنجزاتهما الثقافية وتاريخهما العريق، تستحقان صوتاً أفضل، ومحتوى يليق بوعي شبابهما وآمالهم… لا ضجيجاً يرتفع ثم يتبخر.
