العناد أم الحكمة؟ سؤال مفتوح أمام القيادة السياسية في الجزائر

أريفينو : 04 يناير 2026

✍️ نورالدين البركاني

يطرح المتابع للشأن السياسي في المنطقة المغاربية سؤالاً ملحاً: لماذا يصر حكام الجزائر على التشدد في المواقف، وعلى العناد السياسي الذي لا يبدو أنه يستفيد من الدروس المتتالية التي يقدمها الواقع الإقليمي والدولي؟
ولماذا تبدو القيادة هناك وكأنها تعيش خارج منطق التحولات الكبرى، رغم أن العالم من حولها يتغير بسرعة، والفرص تضيع تباعاً؟

إن القسوة في القرار السياسي لا تعني القوة، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لقلق داخلي عميق، وخوف من كل إصلاح يمكن أن يفتح باب المراجعة والمساءلة. ولهذا غالباً ما تتحول السلطة لدى بعض الأنظمة إلى غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لخدمة المواطن أو بناء الدولة.

وعندما تغيب الجرأة في فتح الملفات الكبرى، يصبح التعنت بديلاً عن الحكمة، ويصبح التصعيد وسيلة لستر الضعف بدل أن يكون اختياراً استراتيجياً واعياً.

لقد أظهرت تجارب عديدة في العالم أن الرهان على الوقت دون إصلاح هو رهان خاسر. وتجربة نيكولاس مادورو في فنزويلا مثال حي على ذلك.

فالحماية الخارجية لم تمنح النظام استقراراً، ولا التحالفات الدولية استطاعت أن تعوض غياب الشرعية الداخلية. فحين يبتعد الحاكم عن مجتمعه، ويغلق نوافذ الحوار، يصبح كل دعم خارجي مؤقتاً وهشاً، لأن الشعوب — في نهاية المطاف — هي مصدر التوازن الحقيقي لأي دولة.

ورغم ذلك، ما يزال حكّام الجزائر يراهنون على شبكة من العلاقات الخارجية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، ظناً منهم أن هذه التحالفات تشكل درعاً سياسياً دائماً. غير أن هذه القوى لا تتحرك بدافع المبادئ ولا بدافع الوفاء السياسي، بل وفق منطق المصالح البحتة. فهي تدعم الأنظمة ما دامت تحقق لها منفعة اقتصادية أو جيوسياسية، لكنها لا تتردد في تغيير مواقفها عندما تنقلب المعادلات. في السياسة الدولية لا توجد حماية مجانية، ولا صداقات أبدية، بل مصالح دائمة تتحرك وفق اتجاه الرياح.

وفي السياق نفسه، فإن الرسائل التي يبعثها قادة دول مؤثرون في المشهد العالمي — ومنهم دونالد ترامب — لا يمكن التعامل معها بخفة أو استهانة. فعندما يتحدث عن مهلات زمنية أو عن تغييرات مرتقبة في أسلوب إدارة الملفات الدولية، فإنه لا يمزح، ولا يطلق إشارات عبثية. فالعالم يتجه نحو لغة أكثر صراحة وصرامة، حيث الصفقات واضحة، والمواقف تقاس بوزن القوة الداخلية والاستقرار السياسي. أما الدول التي لا تستطيع ترتيب بيتها الداخلي، فإنها تصبح أكثر عرضة للضغط والإكراه، مهما حاولت التمويه أو المناورة.

إن أخطر ما في العناد السياسي أنه لا يضر النظام وحده، بل يجر معه الشعب والاقتصاد وصورة الدولة أمام العالم. وعندما تهدر فرص التنمية، وتضيع إمكانات التعاون المغاربي، وتستنزف الطاقات في الصراع والتوتر بدل البناء والتكامل، فإن الثمن لا يدفع اليوم فقط، بل يدفع على حساب الأجيال المقبلة.

العقل السياسي الرشيد لا يخاف من المراجعة، بل يعتبرها شرطاً للاستمرار. والأنظمة التي تواجه نفسها بصدق، وتفتح حواراً داخلياً حقيقياً مع المجتمع وقواه الحية، هي وحدها القادرة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية، ومن هاجس العداء الدائم إلى ثقافة حسن الجوار والتعاون المشترك. أما الإصرار على الإنكار والتصلب، فهو طريق يؤدي دائماً إلى لحظة متأخرة من الوعي، تأتي حين يكون الزمن قد تقدم كثيراً إلى الأمام.

إن المنطقة المغاربية تستحق مستقبلاً أفضل من هذا المناخ المتوتر. فهي ليست قدراً للصدام، بل يمكن أن تكون فضاءً رحباً للتكامل الاقتصادي والإنساني، لو تحلى أصحاب القرار بالشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، واتخاذ خطوة واحدة فقط في اتجاه الحكمة بدل العناد. فالتاريخ لا يرحم من يصر على الوقوف في المكان نفسه، بينما العالم يمضي دون تردد نحو آفاق جديدة.

إن أخطر ما في العناد السياسي أنه لا يسرق الحاضر فقط… بل يرهـن المستقبل أيضاً … فالعناد لا يضر الأنظمة وحدها، بل يضرّ الاقتصاد الوطني، وصورة الدولة خارجياً، وثقة المواطنين في المؤسسات، والاستقرار الاجتماعي،
وفرص التكامل الإقليمي المغاربي.

إن تجاهل لغة العصر والتمسك بمنطق الحرب الباردة، هو اختيار مكلف أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً.

والمطلوب اليوم — بحكمة ومسؤولية — من القيادة السياسية في الجزائر:

✔ فتح حوار داخلي حقيقي
✔ المصالحة مع المجتمع وقواه الحية
✔ الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية
✔ بناء علاقات حسن الجوار بدل سياسة الاصطدام
✔ الاعتراف بالأخطاء لأن الاعتراف بداية الحكمة
إن المنطقة المغاربية ليست قدراً للتوتر، بل مشروعاً للتعاون لو توفرت الإرادة.

التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تتعلم من الدروس تبقى، أما التي تصر على العناد، فإنها تصل متأخرة دائماً… حين يصبح الزمن قد مضى بعيداً إلى الأمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *