المسافة التي لا تُقاس ..

أريفينو.
د. الحسن بلعربي كاتب واستاذ جامعي بإسبانيا، وناشط في مجال الهجرة وحقوق المهاجرين

تحرك الرجل العجوز ببطء، كأن كل تصفيق يعلو في القاعة يثقل كاهله بوزنٍ خفي. لم يلتفت إلى الوراء على الفور، بل ترك تلك الأصوات المدوية تتراقص في الهواء كصدى لم يعد له، ثم بدأ يخطو نحو المخرج بخطوات ثابتة، وقلبه يمتلئ بهدوءٍ.
كانت التصفيقات تهتف للكاتب العام الجديد للحزب، الرجل الصارم ذو الخطاب القوي، الذي يرفع شعار النقاء والهوية والحدود الصارمة، ويصنع من اليقين سيفًا يحمي معتقداته.
ابنه أيضًا صعد إلى المنصة، لكن التصفيقات لم تكن له. وقف هناك مفعمًا بالثقة، يحاول أن يجد مكانه في العالم، ببدلة مرتبة ونظرة حازمة وكلمات محسوبة، متقنًا الإيماءات والتوقفات كما لو كانت لوحة فنية. لقد تعلم كيف يبدو كما يريد أن يكون.
لكن هناك أشياء لا تُكتسب بالتعلم.
وكانت النتيجة متوقعة. اسمه وجهه ولقبه كشفوه قبل أن ينطق بكلمة. ابن مهاجرين. ابن رجل عبر البحار والصمت، بنى حياة من لا شيء، ليمنح أولاده فرصة ليكونوا.
ابنه الأكبر لم يدرِ أن الطريق الذي اختاره لن يفتح له الأبواب، وأن العالم الذي أراد أن يقتحمه لن يستقبله.
والده كان يعرف.
عرف منذ البداية، منذ اللحظة التي بدأ فيها ابنه يردد كلمات لا تخصه، ويعتنق أفكارًا تنكِر أصله ودمه. لم يكن هناك لوم، ولا صراخ، فقط يقين صامت، راسخ كصخرة في أعماق قلبه: لن يُنتخب.
ولم يُنتخب.
انتظر الرجل العجوز في آخر القاعة، واقفًا بين الظلال، عينيه تراقبان النتائج بهدوء، حتى أعلن اسم الفائز وسط الهتافات العالية.
ثم جاءت التصفيقات.
تصفيقات مدوية، طويلة، مفعمة بالانتصار.
في تلك اللحظة، استدار.
لم يكن غضبًا، ولم يكن حزنًا ظاهرًا. بل كان شعورًا مركبًا، مزيجًا من الراحة والمرارة، كما يشاهد المرء نبوءة تتحقق، لم يكن يريد أن ينطق بها.
فكر في سنوات النضال، في التضحيات الخفية، في أياديه المتشققة التي بنت بيتًا يستطيع أولاده أن يختاروا فيه مصيرهم. فكر في الطفل الذي كان ابنه، في لغته الصغيرة، في القصص التي كان يسمعها قبل النوم.
وفكر، أكثر من أي شيء، في المسافة.
ليست المسافة بالكيلومترات، ولا بالحدود السياسية، بل تلك المسافة الدقيقة، المؤلمة، التي تنمو بين شخصين يشتركان في الدم، لكنهما فقدا القدرة على المشاركة في العالم نفسه.
عندما عبر الباب، اختفى كل ضجيج.
واحتضنه صمت الشارع، كملاذ أخير.
ثم، لأول مرة منذ ساعات، أخذ نفسًا عميقًا.
لم يكن شعورًا بالفرح،
لكنها كانت لحظة سلام غريبة، هادئة، مكتملة بطريقة غير متوقعة
د. الحسن بلعربي كاتب واستاذ جامعي بإسبانيا