المغرب يعيد تشكيل موازين اللوجستيك والصناعة في حوض المتوسط

أريفينو : 19 يناير 2026

خلال ما يقارب عشرين عاما، نجح المغرب في إعادة رسم موقعه داخل الخريطة اللوجستية والصناعية لحوض المتوسط، وفق مسار تراكمي قائم على التخطيط بعيد المدى، لا على قرارات ظرفية.

وفي هذا السياق، تعتبر تحليلات إسبانية، من بينها تقارير نشرتها منصة Nacion Española، أن المملكة اعتمدت استراتيجية وطنية متكاملة جعلتها فاعلا محوريا في التجارة والصناعة الإفريقية، بدعم من شراكات دولية مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين وإسرائيل.

أبرز نتائج هذا التوجه تجسدت في التحول الذي أحدثه ميناء طنجة المتوسط، الذي تجاوز منذ سنوات دوره كمرفأ عبور. ففي 2024، سجل الميناء رواجا فاق 142 مليون طن، ونحو 10 ملايين حاوية نمطية، ما وضعه في صدارة الموانئ الإفريقية ومن بين الأكبر في المتوسط، متقدما على موانئ إسبانية تقليدية كبرشلونة وفالنسيا والجزيرة الخضراء، ومحدثا تغيرا ملموسا في موازين المنطقة اللوجستية.

حول هذا الميناء، تشكلت منظومة صناعية متكاملة تضم أكثر من 1200 شركة تنشط في قطاعات السيارات والطيران والنسيج والخدمات اللوجستية، مستفيدة من سياسة تصديرية وحوافز ضريبية موجهة لجذب الاستثمار، وهو ما أتاح خلق قيمة مضافة صناعية تتجاوز النموذج الكلاسيكي للموانئ.

ويمتد هذا التحول إلى الربط التجاري العالمي، إذ أصبح المغرب جزءا من مسار لوجستي يربط الصين بأوروبا وإفريقيا، انطلاقا من تشنغدو نحو برشلونة ثم طنجة، ما قلص زمن الشحن من 35 يوما إلى نحو 20 يوما، وعزز موقع المملكة كمنصة للمنتجات الصينية نحو القارة الإفريقية بفضل تسهيلات الولوج إلى السوق الصينية.

داخليا، دعم هذا المسار استثمار واسع في البنيات التحتية، شمل توسيع شبكة القطار فائق السرعة وربط الشمال بمدن محورية أخرى، إلى جانب إطلاق مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط بطاقة أولية تصل إلى 3 ملايين حاوية، مع قابلية التوسع، في خطوة تهدف إلى تكرار تجربة طنجة المتوسط وتوسيع النفوذ اللوجستي على الواجهتين المتوسطية والأطلسية، وهو ما انعكس على توازنات التجارة المرتبطة بجزر الكناري.

صناعيا، رسخ المغرب موقعه كأكبر منتج للسيارات السياحية في إفريقيا، مستندا إلى مصانع كبرى لعلامات عالمية مثل رونو وبيجو، وشبكة موردين محلية آخذة في الاتساع، ما حوله إلى منافس مباشر لإسبانيا، ليس فقط في الصناعات التقليدية، بل أيضا في قطاعات صناعية متقدمة كانت حكرًا عليها.

وترى التحليلات الإسبانية أن قوة النموذج المغربي تكمن في استمراريته وتكامل عناصره، إذ يقدم نفسه كجسر استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، مدعوما ببنية تحتية حديثة واتفاقيات تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين، فضلا عن موقعه كشريك رئيسي لحلف شمال الأطلسي في شمال إفريقيا.

جدير بالذكر، المؤشرات داخل إسبانيا تعكس حالة قلق متزايد من تراجع أدوار موانئها بجزر الكناري، واتساع فجوة التنافس الصناعي، بما يبرز الفرق بين رؤية مغربية طويلة الأمد وتخبط استراتيجي إسباني أقل وضوحا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *