النهوض بجهة الشرق: ضرورة مستعجلة وقرار جريء لا يحتمل التأجيل

أريفينو : 19 دجنبر 2025

بقلم نورالدين البركاني

تُعدّ جهة الشرق إحدى الجهات المغربية ذات الموقع الاستراتيجي الهام، بحكم قربها من أوروبا، وامتدادها الحدودي، وتوفرها على مؤهلات طبيعية وبشرية واعدة. غير أن هذه الجهة، ورغم ما تحقق من مشاريع وبنيات أساسية خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية عميقة، في مقدمتها ارتفاع نسبة البطالة التي تجاوزت 21 في المائة، حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، وهي من أعلى النسب على الصعيد الوطني.

إن هذا الوضع المقلق يجعل من النهوض بجهة الشرق ضرورة ملحّة ومسألة استعجالية، تتطلب رؤية واضحة، وقرارات جريئة، وانتقالاً حقيقياً من منطق التدبير العادي إلى منطق الإنقاذ التنموي.

أولاً: تشخيص المشاكل التي تعاني منها جهة الشرق

تعاني جهة الشرق من مجموعة من الإكراهات المتراكمة، يمكن تلخيص أبرزها في ما يلي:

  1. ضعف النسيج الاقتصادي والإنتاجي
    فالجهة تفتقر إلى قطاعات صناعية كبرى قادرة على خلق قيمة مضافة عالية ومناصب شغل مستقرة، كما أن الاستثمارات الخاصة تظل محدودة مقارنة بجهات أخرى.
  2. تراجع الأنشطة التقليدية
    مثل التجارة الحدودية والفلاحة المعيشية، التي كانت تشكل لسنوات طويلة مصدر رزق لآلاف الأسر، دون أن يتم تعويضها بأنشطة بديلة كافية.
  3. هجرة الأطر والكفاءات
    بسبب ندرة فرص الشغل، يضطر عدد كبير من شباب الجهة وحاملي الشهادات إلى الهجرة نحو جهات أخرى أو خارج الوطن، ما يؤدي إلى استنزاف الرأسمال البشري المحلي.
  4. ضعف العدالة المجالية
    حيث يشعر سكان الجهة بأنهم لم يستفيدوا بما يكفي من ثمار التنمية الوطنية، مقارنة بجهات تحظى باستثمارات عمومية وخاصة أكبر.
  5. هشاشة سوق الشغل
    انتشار الشغل غير المهيكل، وضعف فرص الإدماج المهني، خاصة لفائدة الشباب والنساء.

ثانياً: أسباب تفاقم البطالة في جهة الشرق

لا يمكن فهم ارتفاع البطالة في جهة الشرق دون الوقوف عند مجموعة من الأسباب المتداخلة، من بينها:

غياب سياسة صناعية جهوية واضحة تستثمر خصوصيات الجهة ومؤهلاتها.

ضعف جاذبية الاستثمار بسبب غياب تحفيزات تنافسية مقارنة بجهات أخرى.

عدم ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، ما يخلق فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد.

تأخر تنزيل بعض المشاريع الكبرى أو محدودية أثرها على التشغيل المحلي.

ضعف المبادرة المقاولاتية لدى الشباب، نتيجة صعوبات التمويل وتعقيد المساطر.

ثالثاً: الحاجة إلى قرار جريء وشامل

أمام هذا الوضع، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالحلول الجزئية أو الظرفية. إن جهة الشرق في حاجة إلى قرار سياسي وتنموي جريء، يعترف بخصوصية الجهة، ويمنحها معاملة تفضيلية مؤقتة، كما حدث في تجارب دولية عديدة مع مناطق عانت من التهميش أو التحولات الاقتصادية الصعبة.

رابعاً: التحفيزات الضريبية والعقارية كمدخل أساسي للنهوض

من بين أهم الآليات القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد والتشغيل بالجهة، تخصيص تحفيزات ضريبية وعقارية استثنائية، ومن ذلك:

  1. تحفيزات ضريبية

إعفاءات أو تخفيضات ضريبية لفائدة المستثمرين الجدد خلال السنوات الأولى.

تخفيف العبء الجبائي عن المقاولات الصغرى والمتوسطة.

تحفيزات خاصة للمقاولات التي تُشغّل أبناء الجهة.

  1. تحفيزات عقارية

توفير أوعية عقارية صناعية وتجارية بأثمنة تفضيلية.

تبسيط مساطر الولوج إلى العقار المخصص للاستثمار.

تشجيع إحداث مناطق صناعية ولوجستيكية جديدة.

هذه الإجراءات من شأنها تشجيع الاستثمار، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وخلق فرص شغل حقيقية ومستدامة لفائدة ساكنة الجهة.

خامساً: توصيات عملية لتعزيز التنمية والتشغيل

لضمان نجاعة أي سياسة للنهوض بجهة الشرق، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية، من بينها:

إعداد برنامج تنموي جهوي خاص بجهة الشرق، بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للتتبع.

ربط التكوين المهني والجامعي بحاجيات الاقتصاد الجهوي.

دعم المقاولة المحلية والمقاولات الناشئة، خاصة في مجالات الصناعة الغذائية، الطاقات المتجددة، اللوجستيك، والسياحة الإيكولوجية.

تسريع إخراج المشاريع الكبرى، وعلى رأسها ميناء الناظور غرب المتوسط، مع ضمان أثره المباشر على التشغيل المحلي.

تعزيز اللامركزية ومنح الجهة صلاحيات أوسع في تدبير التنمية الاقتصادية.

إشراك الفاعلين المحليين، من منتخبين وقطاع خاص ومجتمع مدني، في بلورة الحلول.

خاتمة
إن النهوض بجهة الشرق لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية تفرضها الأرقام والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية. وارتفاع البطالة إلى مستويات مقلقة يتطلب إرادة سياسية قوية، وقرارات جريئة، وسياسات تمييز إيجابي تُنصف الجهة وساكنتها.

فالاستثمار في جهة الشرق هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، وفي العدالة المجالية، وفي مستقبل شباب يستحق فرصة حقيقية للبناء والعطاء داخل جهته ووطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *