تدفق قياسي للمغاربة نحو إسبانيا ومعطيات مقلقة عن المستوى التعليمي

أريفينو : 18 دجنبر 2025
كشفت معطيات رسمية إسبانية حديثة عن استمرار تدفق المغاربة نحو إسبانيا بوتيرة غير مسبوقة، في وقت تشهد فيه كبريات المدن الإسبانية اختناقًا سكنيًا وهجرة داخلية معاكسة لسكانها الأصليين.
ووفق أحدث تقرير للمعهد الوطني للإحصاء بإسبانيا، سجلت سنة 2024 استقرار أزيد من 133 ألف مغربي جديد فوق التراب الإسباني، ليحتلوا المرتبة الثانية ضمن الجنسيات الأكثر حضورًا في موجة الهجرة الأخيرة، مباشرة بعد الكولومبيين وقبل الفنزويليين.
ويأتي هذا الارتفاع اللافت في عدد الوافدين المغاربة ضمن سياق ديمغرافي معقد، إذ استقبلت إسبانيا خلال العام الماضي نحو 1,28 مليون أجنبي، في مقابل نزوح آلاف الإسبان من مدن كبرى مثل مدريد وبرشلونة، هربًا من الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وأسعار الكراء التي وُصفت في تقارير رسمية بـ”غير القابلة للتحمل”. هذا التحول جعل من الهجرة الخارجية رافدًا أساسيًا لتعويض التراجع السكاني الداخلي في عدد من الأقاليم.
غير أن التقرير الإسباني، الذي نشر لأول مرة معطيات تفصيلية حول المستوى التعليمي للمهاجرين الجدد، ألقى بظلال ثقيلة على صورة الهجرة المغربية. إذ أظهرت الأرقام أن 59 في المائة من المغاربة الذين استقروا حديثًا في إسبانيا لا يتجاوز مستواهم الدراسي التعليم الابتدائي، وهو ما يجعلهم في ذيل الترتيب مقارنة بباقي الجنسيات الوافدة. في المقابل، سجل الفرنسيون المقيمون بإسبانيا أعلى مستويات التأهيل، حيث يتوفر أزيد من نصفهم على شهادات التعليم العالي، إلى جانب الإسبان العائدين من الخارج.
هذا التفاوت التعليمي ينعكس، بحسب التقرير نفسه، بشكل مباشر على موقع المهاجرين داخل سوق الشغل الإسبانية، حيث يتركز حضور المغاربة أساسًا في المهن البسيطة والوظائف ذات الطابع اليدوي، إضافة إلى قطاعات مرتبطة بالفندقة والخدمات، وهي مجالات تعرف هشاشة في الأجور والاستقرار المهني. وتعيد هذه المؤشرات طرح أسئلة قديمة جديدة حول طبيعة الهجرة المغربية، وشروط الاندماج، ومستوى التأهيل الذي يرافق موجات الهجرة نحو الضفة الشمالية.
وفي موازاة ذلك، تسهم أزمة السكن في إعادة رسم الخريطة السكانية داخل إسبانيا، إذ سجلت مدريد وكتالونيا عجزًا قياسيًا في صافي الهجرة الداخلية. ففي العاصمة وحدها، غادر نحو 13 ألف شخص صوب الضواحي أو نحو مناطق أقل كلفة، وعلى رأسها إقليم فالنسيا الذي بات يستقطب أعدادًا متزايدة من السكان الباحثين عن شروط عيش أفضل.
وبينما تؤكد هذه المعطيات استمرار جاذبية إسبانيا كمحطة هجرة رئيسية بالنسبة للمغاربة، فإنها في الآن ذاته تضع ملف التأهيل والتعليم في صلب النقاش، سواء داخل إسبانيا أو في المغرب، في ظل أرقام تكشف أن الهجرة لم تعد مجرد أعداد متزايدة، بل مؤشرات اجتماعية واقتصادية تفضح اختلالات أعمق في مسارات الإدماج والتنمية البشرية.
