حين تتحول الرخصة إلى معاناة: صرخة في وجه التماطل الإداري

أريفينو.
بقلم / الدكتور نورالدين البركاني.
يعاني المواطن المغربي في حياته اليومية من صعوبات متعددة في تعامله مع الإدارة، وهي صعوبات لا ترتبط فقط بتعقيد المساطر، بل تمتد إلى طريقة تدبير الملفات، وغياب الوضوح، وطول آجال الانتظار. فبدل أن تكون الإدارة في خدمة المواطن، يجد هذا الأخير نفسه في كثير من الأحيان مضطراً إلى خوض مسار طويل ومتشعب للحصول على حق بسيط أو وثيقة إدارية يفترض أن تسلم في آجال معقولة.
وتبدأ المعاناة غالباً من صعوبة الحصول على المعلومة الدقيقة، إذ لا تتوفر في بعض الإدارات شروحات واضحة ومعلنة حول الوثائق المطلوبة أو المراحل التي يمر منها الملف أو الآجال القانونية للرد، فيبقى المواطن يتنقل بين المكاتب، ويتلقى أجوبة متباينة، وأحياناً متناقضة، دون أن يصل إلى جواب حاسم.
وتزداد حدة هذه المعاناة حين يتعلق الأمر بمنح التراخيص بمختلف أنواعها، سواء تعلق الأمر برخص البناء، أو رخص مزاولة الأنشطة التجارية والمهنية، أو مساطر التحفيظ العقاري، أو رخص الوكالة الحضرية، أو تراخيص الحوض المائي، أو موافقات الوقاية المدنية، أو تأسيس الجمعيات.
فهذه المساطر، التي يفترض أن تنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتؤطرها، تتحول في بعض الحالات إلى عائق حقيقي أمام الاستثمار والمبادرة الفردية. فالمقاول قد ينتظر أشهراً للحصول على ترخيص، وصاحب المشروع قد تتعطل أشغاله بسبب وثيقة لم توقع في وقتها، والمواطن البسيط قد يجد نفسه رهين مساطر طويلة لا يعرف متى تنتهي. هذا التأخر لا يضر بالأفراد فقط، بل ينعكس سلباً على التنمية المحلية، ويضعف الثقة في المؤسسات، ويخلق شعوراً عاماً بالإحباط.
وفي ظل طول المساطر وغموض بعض الإجراءات، قد تنشأ بيئة تسمح بانتشار مظاهر التماطل أو الابتزاز أو الرشوة، وهي ممارسات تسيء إلى صورة الإدارة وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتكريس العدالة. فالمفارقة المؤلمة أن المواطن الذي يقدم الرشوة قد تُفتح له جميع الأبواب بسرعة، وتُعالج ملفاته دون تماطل أو تعقيد، في حين يظل المواطن الملتزم بالقانون ينتظر دوره لأشهر طويلة.
وهذا الواقع، حين يتكرر، يشجع بعض الموظفين ضعاف النفوس على اعتماد أسلوب التماطل كوسيلة للضغط والابتزاز، ويغذي ثقافة سلبية خطيرة مفادها أن قضاء المصالح لا يتم إلا عبر الطرق غير المشروعة.
إن استمرار مثل هذه السلوكات يهدد مبدأ المساواة أمام القانون، ويقوض الثقة في المرفق العمومي، ويخلق شعوراً بالظلم لدى فئات واسعة من المواطنين.
لذلك فإن معالجة هذه الاختلالات لا تقتصر على إصدار القوانين، بل تتطلب تفعيلها بصرامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد الرقمنة لتقليص الاحتكاك المباشر غير الضروري، وتحديد آجال ملزمة للرد على طلبات المواطنين، مع إمكانية الطعن الفوري عند تجاوزها، وتفعيل آليات التبليغ عن الفساد مع ضمان حماية المبلغين.
كما ينبغي نشر ثقافة الخدمة العمومية باعتبارها أمانة ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة إدارية.
وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى إحداث ما يشبه مؤسسة للوساطة على المستوى الإقليمي، تكون قريبة من المواطن وقادرة على التدخل السريع لحل النزاعات الإدارية وتذليل الصعوبات. فوجود وسيط إقليمي مستقل نسبياً، ومؤهل قانونياً وإدارياً، يمكن أن يشكل آلية فعالة لتلقي تظلمات المواطنين، ودراسة ملفاتهم، والتواصل المباشر مع الإدارات المعنية لتسريع معالجة الطلبات أو تصحيح الاختلالات. كما يمكن لهذا الوسيط أن يرصد الأعطاب المتكررة في بعض المساطر، ويقترح حلولاً عملية لتحسين الأداء الإداري، بما يعزز الثقة ويقوي دولة القانون.
إن الإدارة الحديثة يجب أن تقوم على مبادئ الشفافية، والوضوح، والسرعة، والإنصاف، وأن تعتبر المواطن شريكاً لا عبئاً. فالمواطن لا يطلب امتيازاً خاصاً، بل يطالب بحقه في خدمة إدارية محترمة، وفي معلومة دقيقة، وفي آجال معقولة، وفي معاملة تحفظ كرامته. وإحداث آلية وساطة إقليمية فعالة، إلى جانب تبسيط المساطر، وتوحيد الوثائق، واعتماد الشباك الوحيد الحقيقي، وتقييم أداء الإدارات وفق مؤشرات واضحة، كلها خطوات يمكن أن تساهم في تحسين العلاقة بين المواطن والإدارة. إن إصلاح الإدارة ليس مجرد ورش تقني، بل هو رهان أساسي على بناء الثقة وتعزيز التنمية وترسيخ قيم النزاهة والنجاعة في تدبير الشأن العام.
نورالدين البركاني