دراسة علمية حديثة تكشف اختلال التوقيت البيولوجي للمغاربة بسبب الساعة الإضافية مقابل مكاسب طاقية لا تتجاوز 0,5%

اريفينو.
كشفت دراسة علمية حديثة أن اعتماد المغرب للساعة الإضافية، أحدث اختلالا في الساعة البيولوجية للمغاربة وأثر مباشرة على النوم والتركيز والصحة في وقت لا تتجاوز فيه مكاسبه الطاقية 0,5% فقط، موردة أن هذا النظام المصمم لبلدان الشمال يُطبّق في سياق جغرافي غير ملائم ما يجعل كلفته الاجتماعية والصحية أكبر بكثير من عوائده الاقتصادية.
ويأتي هذا الاستنتاج ضمن دراسة حديثة أنجزها مركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية وهو مركز بحثي يهتم بتقييم السياسات العمومية وتحليلها اعتمادا على مقاربات علمية متعددة التخصصات وذلك في سياق عودة قوية للجدل حول التوقيت القانوني في المغرب الذي لم يخفت منذ سنة 2018، تاريخ اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم باستثناء شهر رمضان.
وقد عرفت الأشهر الأخيرة تصعيدا غير مسبوق في هذا النقاش، بعدما خرج من دائرة التداول النخبوي إلى فضاء النقاش العمومي الواسع مدفوعا بعرائض مواطنية وتزايد التفاعل الإعلامي إلى جانب تصريحات رسمية وحزبية وسياسية أعادت طرح الموضوع من زاوية السياسات العمومية وجدواها.
وفي هذا الإطار، اكتست دراسة مركز سنابل أهمية خاصة لأنها تعيد تركيب الصورة الشاملة عبر مقاربة متعددة الأبعاد تمزج بين التحليل الصحي والاجتماعي والاقتصادي والجغرافي، مستندة إلى أدبيات علمية ومعطيات ميدانية ومقارنات دولية.
وازداد ثقل هذه الخلاصات مع صدور تحقيق وطني واسع أنجزته الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلكين بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، والذي يُعد من أبرز المؤشرات الميدانية على حجم التأثير الفعلي لهذا النظام، فقد كشف هذا التحقيق، الذي استند إلى عينة واسعة من المواطنين عن آثار ملموسة تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية من اضطرابات النوم إلى اختلال التوازن الأسري، مرورا بتراجع الأداء الدراسي لدى التلاميذ وصولا إلى تأثيرات غير مباشرة على النفقات اليومية وهذه النتائج تحولت إلى معطيات رقمية قابلة للقياس تعطي وزنا علميا لما كان يُعتبر سابقا مجرد إحساس جماعي بعدم الارتياح.
وتُرجع الدراسة هذه التداعيات إلى طبيعة النظام الزمني نفسه، إذ يؤدي اعتماد GMT+1 خلال فصل الشتاء إلى تأخير شروق الشمس وهو ما يضع شريحة واسعة من المغاربة في وضعية بدء يومهم في الظلام، في تناقض مباشر مع الإيقاع الطبيعي للجسم البشري فالجسم يعتمد على الضوء الطبيعي كمنظم أساسي لوظائفه الحيوية، وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس بشكل مباشر على الساعة البيولوجية.
وتشير دراسات علمية مرجعية، من بينها أبحاث صادرة عن جامعة ستانفورد والأكاديمية الأمريكية لطب النوم، إلى أن هذا الوضع يؤدي إلى ما يُعرف بـ”عدم التزامن اليوماوي”، وهو اضطراب بيولوجي ينعكس في شكل تقليص مدة النوم وزيادة الشعور بالتعب وضعف التركيز مع احتمال ارتفاع المخاطر الصحية على المدى الطويل.
ولا يتوقف التحليل عند الجانب البيولوجي، بل يمتد ليشمل البعد الجغرافي الذي تعتبره الدراسة عنصرا حاسما في فهم محدودية جدوى هذا النظام في الحالة المغربية فقد تم ابتكار نظام تغيير التوقيت في بلدان الشمال ذات خطوط العرض المرتفعة حيث يكون الفرق بين طول النهار في الصيف والشتاء كبيرا جدا وقد يصل إلى ما بين 8 و10 ساعات، ما يجعل تعديل التوقيت أداة فعالة لتكييف الأنشطة البشرية مع الضوء الطبيعي.
أما في المغرب، الواقع بين خطي عرض 30 و35 شمالا، فإن هذا الفارق لا يتجاوز 3 إلى 4 ساعات وهو ما يقلل من الحاجة الموضوعية لتغيير التوقيت في مقابل تضخيم تأثيراته السلبية خاصة في فصل الشتاء حيث يتأخر شروق الشمس إلى ما بعد الساعة الثامنة صباحا ما يطيل فترة التعرض للظلام في لحظة الاستيقاظ وهي مرحلة حاسمة في ضبط الساعة الداخلية للجسم عبر تنظيم إفراز هرمونات مثل الميلاتونين والكورتيزول.
هذه الخصوصية الجغرافية تجعل من الحالة المغربية استثناء في المشهد الدولي حيث تشير المعطيات المقارنة إلى أن غالبية دول العالم تخلت عن نظام تغيير التوقيت، فاليوم لا يتجاوز عدد الدول التي لا تزال تعتمد هذا النظام نحو 70 دولة مقابل أكثر من 170 دولة اختارت توقيتا ثابتا وهو ما يمثل حوالي 90% من سكان العالم.
وفي القارة الإفريقية لا تعتمد الغالبية هذا النظام، باستثناء المغرب ومصر في حين تخلت عنه اقتصادات كبرى في آسيا مثل الصين والهند واليابان منذ سنوات كما ألغاه البرازيل في أمريكا الجنوبية سنة 2019 بعد تقييم محدودية فوائده.
ورغم أن أوروبا لا تزال تعتمد تغيير التوقيت، فإن النقاش حول إلغائه يظل مفتوحا حيث تشهد القارة نقاشات مستمرة حول جدوى هذا النظام بل إن بعض الدول التي جربت صيغا مختلفة عادت إلى التوقيت الطبيعي، كما هو الحال في روسيا وفي هذا السياق تبرز خصوصية النموذج المغربي، الذي يعتمد التوقيت الصيفي طيلة السنة مع استثناء شهر رمضان ما يخلق وضعا هجينا يفتقر إلى الاستقرار الزمني سواء على المستوى المؤسساتي أو الاجتماعي وهو ما لا يجد له نظيرا واضحا في التجارب الدولية.
وتنعكس هذه الاختلالات بشكل مباشر في الحياة اليومية للمغاربة، حيث تظهر آثارها بشكل جلي لدى التلاميذ الذين يجدون صعوبة في الاستيقاظ والتركيز خلال الصباحات الشتوية كما يعاني العاملون من صعوبات في الانخراط في بداية يوم العمل في حين تواجه الأسر تحديات في تنظيم إيقاعاتها اليومية.
وتؤكد المعطيات الحديثة التي أوردتها الدراسة أن نسبة مهمة من السكان تعتبر أن هذا النظام يؤثر سلبا على جودة حياتها، وهو ما تعززه الدراسة من خلال ربط هذه الانطباعات بآليات علمية واضحة تتعلق بالساعة البيولوجية.
في المقابل، لا تغفل الدراسة المبررات التي دفعت إلى اعتماد GMT+1، وعلى رأسها الاعتبارات الاقتصادية خاصة ما يتعلق بملاءمة التوقيت مع أوروبا الشريك التجاري الأول للمغرب، بما يسهل المبادلات التجارية ويعزز اندماج الاقتصاد الوطني في السوق الدولية.
غير أن الدراسة تؤكد أن هذه المكاسب تظل محدودة، خاصة على مستوى استهلاك الطاقة، حيث لا تتجاوز نسبة التوفير حوالي 0.5%، أي ما يعادل بين 100 و150 ميغاواط خلال فترات الذروة، في حين قد تكون التأثيرات السلبية على الإنتاجية أكبر خاصة في بداية اليوم نتيجة التعب وقلة النوم، وهو ما قد ينعكس على الأداء العام.
وتتقاطع هذه النتائج مع تصريحات وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي التي أقرت بأن المكاسب الطاقية تبقى محدودة، خصوصا خلال فصل الشتاء في حين تدافع وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي عن الإبقاء على النظام بدافع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وربط الاقتصاد المغربي بالفضاء الأوروبي.
أمام هذا التباين بين الكلفة الاجتماعية والمكاسب الاقتصادية، تقترح الدراسة مسارات بديلة تقوم على إعادة التفكير في النموذج الحالي وفي مقدمتها العودة إلى التوقيت الطبيعي GMT باعتباره أكثر انسجاما مع الإيقاع الشمسي والخصوصية الجغرافية للمغرب إلى جانب إدخال قدر أكبر من المرونة في تنظيم الزمن داخل القطاعات المرتبطة بالخارج مثل التصدير والخدمات الرقمية بما يسمح بالحفاظ على التنافسية الاقتصادية دون فرض نفس الإيقاع الزمني على جميع فئات المجتمع.
كما دعت إلى اعتماد مقاربة شمولية لا تقتصر على تغيير التوقيت فقط، بل تشمل إجراءات مرافقة من قبيل تطوير العمل عن بعد وتكييف الزمن المدرسي، وتحسين النجاعة الطاقية للمباني العمومية، واعتماد تنظيم أكثر مرونة لساعات العمل، بما يضمن التوازن بين متطلبات الاقتصاد وراحة المواطنين.
وشددت الدراسة على ضرورة اعتماد آليات تقييم دورية لهذه السياسات، تستند إلى معطيات دقيقة تشمل الصحة والتعليم والإنتاجية، بما يسمح باتخاذ قرارات مبنية على الأدلة بدل الانطباعات.