شتاء قاسٍ يقترب.. ووجدة مطالبة بتجديد تعبئتها لإنقاذ أرواح المشردين

أريفينو : 26 نوفمبر 2025
مع اقتراب فصل الشتاء واشتداد موجات البرد التي تشتهر بها المنطقة الشرقية بين دجنبر ونهاية فبراير، تبرز من جديد قضية المشردين في مدينة وجدة باعتبارها واحدة من أكثر الفئات عرضة للخطر. فدرجات الحرارة التي تنخفض أحيانًا إلى ما دون الصفر، وفق معطيات الأرصاد الجوية، تجعل الشارع فضاءً مليئًا بالتهديدات الصحية، أبرزها انخفاض حرارة الجسم والأمراض التنفسية، وهو ما قد يعرّض حياة الكثيرين إلى مخاطر حقيقية إذا لم تُتخذ إجراءات استباقية في الوقت المناسب.
سياق وطني يؤكد حجم التحدي
المعطيات الصادرة عن وزارة الداخلية حول ظاهرتي التسول والتشرد على الصعيد الوطني، والتي أعلنت عن معالجة عشرات الآلاف من القضايا خلال السنة الجارية، تعكس حجم الظاهرة وتعزز الوعي بضرورة التعامل معها بمنظور شامل. وإذا كانت هذه الأرقام تشمل مجموع التراب المغربي، فإن وجدة—بحكم مناخها البارد وموقعها الحدودي—تحتاج إلى عناية مضاعفة خلال فصل الشتاء.
تجارب سابقة ناجحة تبعث على الاطمئنان
من المهم التأكيد على أن السلطات المحلية بوجدة سبق أن خاضت تجارب ناجحة خلال المواسم الماضية، حيث قامت بحملات إنسانية لنقل المشردين إلى مراكز الإيواء بتعاون مع الجمعيات ومصالح التعاون الوطني، ما أسهم في توفير الحماية لعدد كبير من الأشخاص الذين كانوا يفترشون الأرض في ليالي البرد القارس. وقد لقيت هذه المبادرات إشادات واسعة باعتبارها نموذجًا في التدخل الإنساني المسؤول.
هذا الرصيد الإيجابي يجعل الساكنة والمجتمع المدني اليوم أكثر ثقة في قدرة السلطات على تجديد هذه الجهود بنفس الروح وبنفس الاستباقية المعهودة.
الاستعداد المسبق.. خطوة ضرورية قبل اشتداد الصقيع
ولأن موجات البرد تُعد أكثر خطورة عندما تكون مفاجئة وسريعة، فإن المقاربة الاستباقية تظل السبيل الأفضل لحماية الأرواح، من خلال:
تهيئة برنامج تعبئة مبكر قبل وصول ذروة البرد.
تكثيف الدوريات الليلية للتواصل مع الأشخاص في وضعية الشارع.
نقل المشردين لمراكز الإيواء التابعة للجمعيات أو فضاءات بديلة مجهّزة للتدفئة.
رفع الطاقة الاستيعابية بشكل مؤقت خلال شهور البرد القارس.
تنسيق الجهود مع المجتمع المدني والهلال الأحمر المغربي لتوفير الدعم الصحي والغذائي.
دور التكافل المدني.. المحسنون والجمعيات في الواجهة
وموازاة مع جهود السلطات، يبرز دور المحسنين والجمعيات المحلية كرافعة أساسية لتعزيز الاستجابة الإنسانية. إذ يمكن لحملة التغذية الليلية—التي سبق أن نجحت في مبادرات متفرقة بوجدة—أن تشكل متنفسًا حيويًا للمشردين عبر توزيع وجبات ساخنة ومشروبات دافئة خلال الليالي الأكثر برودة. مثل هذه الحملات لا توفّر الغذاء فقط، بل تخلق أيضًا فرصة للتواصل المباشر مع الأشخاص في وضعية الشارع والتعرف على احتياجاتهم الصحية والاجتماعية.
مسؤولية جماعية.. والجماعة مدعوة لدعم اللوجستيك
وفي هذا السياق، تبدو جماعة وجدة معنية بدور محوري يتمثل في توفير وسائل نقل خاصة أو حافلات صغيرة مخصصة خلال هذه الفترة، من أجل نقل الأشخاص الذين يتم العثور عليهم ليلاً نحو مراكز الإيواء. كما يمكن للجماعة—بشكل مؤقت—إطلاق دورية ميدانية متنقلة تجوب أحياء المدينة ومحيطها، ترصد حالات التشرد، وتنسّق مع الفرق الاجتماعية والجمعيات لاستقبالهم وتوجيههم. مثل هذا الإسناد اللوجستي يعزّز فعالية الحملات ويضمن عدم ترك أي شخص يواجه الصقيع بمفرده.
وجدة.. مدينة بقلب مفتوح
الاهتمام بالمشردين خلال هذا الموسم لا يعني توجيه اللوم لأي جهة، بل هو تذكير جماعي بقيم التضامن التي تميز وجدة وسمعتها كمدينة لا تتخلى عن فئاتها الهشة. فالسلطات أثبتت في السابق أنها قادرة على التحرك بفعالية، والجميع اليوم يتطلع إلى استمرار هذا المسار الناجح لحماية أكبر عدد ممكن من الأرواح، بدعم الجمعيات والمتطوعين والمحسنين.
فرصة لتأكيد المسار الإنساني
إن اقتراب الشتاء ليس تهديدًا فقط، بل أيضًا فرصة لتعزيز التعاون بين السلطات والجماعات الترابية والمجتمع المدني، من أجل شتاء أكثر أمانًا، ومدينة أكثر احتواءً.
فوجدة اليوم ليست أمام أزمة بقدر ما هي أمام لحظة إنسانية ملحّة، عنوانها: “الاستعداد المبكر ينقذ أرواح المشردين قبل أن يهزمهم البرد القارس”.