على إثر الإشاعات حول اختطاف الأطفال.. تراجع دور الأسرة يطرح أسئلة مقلقة حول تربية الناشئة

أريفينو.

في ظل انتشار الإشاعات المتكررة حول اختطاف الأطفال في عدد من المدن المغربية، عادت إلى الواجهة مجموعة من الظواهر والسلوكيات الاجتماعية التي تثير القلق داخل المجتمع، وتطرح تساؤلات حقيقية حول دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في تأطير الأطفال وحمايتهم.

ومن بين هذه الظواهر التي أصبحت تُلاحظ في بعض المدن، ومنها الرباط، لجوء تلميذات صغيرات في مستوى الإعدادي إلى ممارسة “لوتوسطوب” (autostop)، أي طلب التوصيل من أصحاب السيارات في الطريق، حيث تُشاهد هذه الحالات حين تقف فتيات قاصرات على جانب الطريق في انتظار سيارات تقلّهن، سواء نحو المدرسة أو الثانوية أو حتى إلى منازلهن.

هذه الممارسة، التي قد تبدو للبعض تصرفاً عادياً أو حلاً سريعاً لمشكل التنقل، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، خاصة عندما تصدر عن فتيات صغيرات السن. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بوسيلة النقل، بل تعكس في عمقها إشكالاً تربوياً واجتماعياً يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية. فالمدرسة، مهما قامت بدورها في التعليم والتأطير، تبقى جزءاً فقط من منظومة التربية، إذ إن التربية الحقيقية تبدأ داخل الأسرة، وتشمل سلوك الطفل ولباسه وطريقة تعامله مع الفضاء العام، إضافة إلى ما يتعلمه في الشارع وفي محيطه الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: أين دور الآباء؟ وهل تخلت الأسرة عن الأدوار التي كانت تقوم بها؟ فعدد من الملاحظين يرون أن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق الأسر التي لم تعد، في بعض الحالات، تواكب أبناءها بالشكل المطلوب. كما يُلاحظ أن بعض الآباء يكتفون بإرسال أبنائهم إلى المدرسة، وكأن المؤسسة التعليمية وحدها مسؤولة عن التربية، بينما الواقع يؤكد أن التربية مسؤولية مشتركة تبدأ من البيت قبل المدرسة.

ولا تقتصر هذه المظاهر على مدينة الرباط فقط، بل تُلاحظ أيضاً في مدن أخرى، فقد عاين موقع “برلمان.كوم” بأحد أحياء مدينة أكادير حالة لتلميذتين في مستوى الإعدادي، كانتا في طريق عودتهما من المدرسة إلى منزل أسرتهما، حيث توقفتا بالقرب من سيارة فاخرة كانت متوقفة أمام إقامة سكنية، وبدأتا تلتقطان الصور إلى جانبها، إذ كانت كل واحدة منهما تصوّر الأخرى بجانب السيارة. ورغم أن هذه السلوكيات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تعكس في العمق تغيراً في سلوكيات الأطفال وتأثيرات المحيط الاجتماعي عليهم.

كما تمتد هذه الملاحظات إلى فضاءات أخرى، من بينها بعض المساجد، حيث يُلاحظ في عدد من الأحيان أن أطفالاً صغاراً، ذكوراً وإناثاً، يحدثون ضجيجاً أو فوضى خلال الصلوات الجماعية، سواء في صلاة الجمعة أو خلال صلاة التراويح، في الوقت الذي ينشغل فيه بعض الآباء بأداء الصلاة داخل المسجد دون أن يتدخلوا لضبط سلوك أبنائهم أو توجيههم إلى احترام حرمة المكان.

ويستحضر كثيرون هنا الفارق الواضح بين ما كان عليه الوضع في السابق وما أصبح يُلاحظ اليوم، إذ كان الآباء يحرصون على إبقاء أبنائهم إلى جانبهم داخل المسجد ومراقبة تصرفاتهم، حرصاً على ترسيخ قيم الانضباط واحترام أماكن العبادة، في حين يُسجَّل اليوم، بحسب عدد من المتابعين، نوع من التراجع في مستوى المتابعة والتوجيه الأسري داخل الفضاءات العامة.

وفي خضم هذه النقاشات، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بدور السائقين وأصحاب السيارات في التعامل مع هذه الظاهرة المتنامية. فالمطلوب منهم إبداء قدر أكبر من الوعي والحذر، خاصة وأن بعض السائقين قد يتصرفون بدافع إنساني حين يتوقفون لنقل طفل أو تلميذ يبدو في حاجة إلى التوصيل. غير أن هذا السلوك، رغم نبل مقصده في كثير من الأحيان، قد يتحول في بعض الحالات إلى باب لممارسات غير سليمة أو إلى وضعيات قد تُساء قراءتها أو تُستغل بطرق مختلفة.

كما أن هذه الممارسات قد تختلط أحياناً بسلوكيات أخرى، من قبيل التسول أو ما يشبه الاستجداء في الطرقات، وهو ما يزيد من تعقيد الظاهرة ويجعل التعامل معها يتطلب قدراً أكبر من اليقظة والمسؤولية الجماعية، سواء من طرف السائقين أو الأسر أو مختلف مكونات المجتمع.

أما اليوم، فيرى بعض المتابعين أن هناك تراجعاً في مستوى المتابعة الأسرية، حتى أصبح البعض يكتفي بإنجاب الأطفال وترك مسؤولية تربيتهم للمدرسة أو للمجتمع. وعندما يقع أي مشكل، تتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو المؤسسات التعليمية أو نحو الدولة بدعوى التقصير.

وإلى جانب كل ذلك، لا يمكن إغفال التأثير المتزايد لوسائل الاتصال الحديثة، من هواتف ذكية وإنترنت ومنصات مثل يوتيوب وغيرها، والتي ساهمت، بحسب العديد من الملاحظين، في تغيير سلوكيات الأطفال والمراهقين بشكل واضح، وخلقت نماذج جديدة من التصرفات التي لم تكن مألوفة في المجتمع من قبل.

كل هذه المؤشرات تجعل من الضروري فتح نقاش مجتمعي واسع حول مسؤولية الأسرة أولاً، ثم دور المدرسة، وأيضاً دور المجتمع ككل في تأطير الأطفال وحمايتهم. فالقضية لا تتعلق فقط بإشاعات اختطاف الأطفال التي تنتشر بين الحين والآخر، بل تتعلق أيضاً بواقع اجتماعي يتطلب مزيداً من الوعي والتربية والمراقبة، حتى لا تتحول بعض السلوكيات اليومية البسيطة إلى مخاطر حقيقية تهدد سلامة الأطفال واستقرار المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *