فاتح ماي بين الحق في الاحتجاج ,و واجب الحفاظ على جاذبية الاستثمار..

أريفينو: 01 ماي 2026
بقلم / الدكتور :نورالدين البركاني

بمناسبة فاتح ماي، عيد الشغيلة، نستحضر بكل اعتزاز المكانة التي يحتلها العامل داخل المجتمع، والدور الحيوي الذي يضطلع به في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما نؤكد أن الدستور المغربي يكفل للعمال حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن مطالبهم في إطار القانون، وهو حق مشروع لا نقاش فيه، بل يُعد من ركائز دولة الحق والقانون ومن مظاهر الديمقراطية الحقيقية.
غير أن ممارسة هذا الحق، رغم مشروعيتها، تقتضي قدراً عالياً من الوعي والمسؤولية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب اليوم، باعتباره بلداً صاعداً ومنفتحاً، يسير بثبات نحو تعزيز مكانته كقطب اقتصادي إقليمي ووجهة مفضلة للاستثمار. فقد أصبحت المملكة، بفضل موقعها الاستراتيجي واستقرارها السياسي والإصلاحات التي باشرتها، محط اهتمام كبريات الشركات العالمية الباحثة عن بيئة آمنة ومستقرة.
ولعل من أبرز النماذج الدالة على هذه الدينامية، ما يشهده إقليما الناظور والدريوش من تحولات واعدة، بفضل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يُعد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى ذات الأبعاد اللوجستيكية والصناعية والطاقية. فهذا المشروع الضخم، الممتد على مساحة صناعية تفوق 5000 هكتار، مرشح لأن يشكل منصة اقتصادية متكاملة، قادرة على استقطاب استثمارات دولية كبرى، وخلق آلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
وقد بدأت فعلاً ملامح هذه الدينامية تظهر من خلال اهتمام شركات دولية بالاستقرار في المنطقة، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة وصناعة مكونات السيارات والصناعات التحويلية. وهو ما يعزز الأمل في إحداث نقلة نوعية في التشغيل والتنمية بالجهة الشرقية، التي تعاني تاريخياً من نسب بطالة مرتفعة.
غير أنه، وبمناسبة فاتح ماي، شهدت إحدى الشركات الصناعية احتجاجات عمالية، وهو أمر مفهوم في سياق المطالبة بالحقوق وتحسين ظروف العمل. لكن في المقابل، يطرح هذا الوضع إشكالية كيفية تدبير هذه المطالب بشكل يحقق التوازن بين حماية حقوق الشغيلة، والحفاظ على صورة المغرب كوجهة مستقرة ومحفزة للاستثمار.
هنا تبرز حقيقة اقتصادية معروفة مفادها أن الرأسمال بطبعه جبان، يخاف من أجواء التوتر والاحتجاجات غير المؤطرة، ويميل دائماً إلى البحث عن بيئات يسودها الاستقرار والوضوح القانوني. لذلك، فإن أي رسائل سلبية—حتى وإن كانت غير مقصودة—قد تدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في قراراتهم أو توجيه استثماراتهم نحو وجهات أخرى.
من هذا المنطلق، فإن الاحتجاج، وإن كان حقاً مشروعاً، ينبغي أن يمر عبر مسارات قانونية ومؤسساتية واضحة ومتدرجة. فمن الأولى، عند وجود مطالب مشروعة، اللجوء إلى مندوبيات الشغل أو المصالح المختصة، وتقديم مذكرات مطلبية موقعة من طرف العمال، مدعومة بحجج قانونية، مع الاستعانة بخبراء قانونيين لضمان قوة الملف ومشروعيته.
كما يمكن، في مرحلة ثانية، تفعيل آليات الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة، أو اللجوء إلى الوساطة والتفتيش، وهي آليات أثبتت نجاعتها في حل العديد من النزاعات دون اللجوء إلى التصعيد. أما الانتقال المباشر إلى الشارع دون استنفاد هذه المساطر، فقد يعطي انطباعاً بعدم الاستقرار، ويؤثر سلباً على صورة مناخ الأعمال.
ومن جهة أخرى، ينبغي التحلي باليقظة، لأن بعض الجهات قد تستغل مثل هذه الأوضاع لبث التوتر أو توجيه الاحتجاجات لخدمة أجندات معينة، وهو ما يتطلب وعياً جماعياً من العمال والنقابات والمجتمع المدني.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الاختيار بين حقوق العمال أو جذب الاستثمار، بل في القدرة على تحقيق التوازن بينهما. فالتنمية الحقيقية لا تقوم إلا على أساس عدالة اجتماعية تحفظ كرامة العامل، واستقرار اقتصادي يجذب الاستثمار ويوفر فرص الشغل.
ومن بين التوصيات العملية في هذا السياق:
تعزيز قنوات الحوار داخل المقاولات قبل اللجوء إلى الاحتجاج.
. تقوية دور مندوبي الشغل والمفتشيات في الوساطة وحل النزاعات.
. تأطير العمال قانونياً وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم.
. تشجيع النقابات الجادة على لعب دور الوسيط المسؤول.
. اعتماد التدرج في معالجة النزاعات: من المراسلة إلى الحوار، ثم الوساطة، وأخيراً الاحتجاج كحل أخير.
وفي الختام، فإن مصلحة الوطن تقتضي منا جميعاً—عمالاً، ومقاولات، ومؤسسات—التحلي بروح المسؤولية، والعمل على ترسيخ ثقافة الحوار والتوازن. فالمغرب اليوم أمام فرصة تاريخية لتعزيز موقعه الاقتصادي، ونجاح هذه المرحلة رهين بقدرتنا على حماية حقوق الإنسان العامل، دون الإضرار بجاذبية بلدنا كوجهة استثمارية واعدة.
الدكتور :نورالدين البركاني