كيف تبني الدول مشاريعها الكبرى دون استنزاف ميزانياتها ؟

أريفينو : 06 مايو 2026.

لم تعد قوة الدول في العصر الحديث تُقاس فقط بحجم ثرواتها الطبيعية أو بقدرتها على جمع الضرائب، بل أصبحت تُقاس كذلك بمدى ذكائها في ابتكار حلول تمويلية قادرة على إنجاز المشاريع الكبرى دون إنهاك المالية العمومية. فالمطارات العملاقة، والموانئ الحديثة، والطرق السيارة، والقطارات السريعة، والملاعب الرياضية، ومحطات الطاقة، والمدن الذكية، كلها تحتاج إلى مليارات الدولارات، وهو ما يجعل الاعتماد الكامل على ميزانية الدولة أمراً صعباً، خصوصاً في الدول النامية أو الصاعدة.

ومن هنا برزت أهمية ما يُعرف بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو عقود الامتياز والاستغلال طويل الأمد، وهي نماذج تقوم على مبدأ بسيط لكنه فعال: الدولة تمنح شركة دولية أو تحالفاً استثمارياً حق تمويل وإنجاز وتشغيل مشروع معين لفترة زمنية محددة، مقابل حصول المستثمر على جزء من الأرباح أو حق الاستغلال خلال مدة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة، قبل أن تعود ملكية المشروع بالكامل إلى الدولة.

هذا النموذج لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح أحد أهم أسرار النهضة الاقتصادية في عدد من الدول التي نجحت في بناء بنية تحتية قوية دون أن تُغرق نفسها في الديون أو تستنزف ميزانياتها العمومية.
ففي تركيا، على سبيل المثال، تم إنجاز مطار إسطنبول الجديد، أحد أكبر مطارات العالم، عبر شراكة بين الدولة وتحالف شركات خاصة. وقد تكفلت الشركات بالتمويل والبناء والتشغيل، مقابل حق استغلال المطار لسنوات طويلة، مع التزامها بأداء رسوم ومداخيل مهمة للدولة التركية. النتيجة كانت مشروعاً عالمياً ضخماً عزز مكانة تركيا الاقتصادية والسياحية واللوجستية.

وفي فرنسا وإسبانيا، تم إنجاز عدد كبير من الطرق السيارة عبر نظام الامتياز، حيث تقوم شركات خاصة بتمويل الطريق وصيانته واستغلاله عبر استخلاص الرسوم لمدة محددة، قبل أن تعود ملكيته للدولة. ورغم بعض الانتقادات المرتبطة بالأسعار، فإن هذه الصيغة مكنت من توسيع شبكة الطرق بسرعة وكفاءة.

أما في المغرب، فيُعتبر ميناء طنجة المتوسط نموذجاً ناجحاً للشراكة الذكية والانفتاح على المستثمرين العالميين. فقد استطاع المغرب أن يجذب شركات دولية متخصصة في تدبير الحاويات والخدمات اللوجستية، مما ساهم في تحويل الميناء إلى منصة بحرية عالمية تربط إفريقيا بأوروبا وأمريكا وآسيا. ولم يكن النجاح مرتبطاً فقط بالبنية التحتية، بل أيضاً بحسن اختيار الشركاء، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وربط المشروع بمناطق صناعية ولوجستية متكاملة.

وفي الهند، اعتمدت الحكومة بشكل واسع على عقود الشراكة لتمويل المطارات والمترو والطرق السيارة، حيث أُسندت مشاريع ضخمة إلى شركات محلية ودولية مقابل عقود تشغيل طويلة الأمد وتقاسم للعائدات. وقد ساعد ذلك الهند على تسريع وتيرة التنمية وتقوية تنافسيتها الاقتصادية.

غير أن نجاح هذا النوع من الشراكات لا يتحقق تلقائياً، بل يتوقف على جودة العقود، وقوة المؤسسات، وذكاء المفاوض المغربي أو العربي أو الإفريقي أثناء صياغة الاتفاقيات. فالعقد غير المتوازن قد يتحول إلى عبء على الدولة والمواطنين، بينما يمكن للعقد الذكي أن يخلق وضعية رابح ـ رابح يستفيد منها الجميع.

ولهذا، فإن أي اتفاقية من هذا النوع يجب أن تتضمن بنوداً دقيقة وواضحة تضمن التوازن بين مصلحة الدولة وربحية المستثمر. ومن أهم هذه البنود تحديد مدة الاستغلال بشكل معقول يتناسب مع حجم الاستثمار، وتحديد نسب الأرباح وتقاسم المداخيل بطريقة عادلة، مع ضمان انتقال المشروع إلى الدولة في نهاية العقد بحالة جيدة.
كما ينبغي إلزام المستثمر بالصيانة الدورية والتحديث المستمر للبنية التحتية، مع فرض نسب مهمة لتشغيل اليد العاملة المحلية ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى الكفاءات الوطنية، حتى لا تتحول الدولة إلى مجرد سوق استهلاكية أو فضاء للاستغلال المالي فقط.

ومن الضروري أيضاً وضع سقف معقول للأسعار والخدمات التي تُفرض على المواطنين، لأن بعض الشركات قد تسعى إلى تعظيم أرباحها على حساب القدرة الشرائية للمستهلكين. كما يجب التنصيص على آليات واضحة للتحكيم وحل النزاعات، مع الحفاظ على السيادة الوطنية في القطاعات الحساسة والاستراتيجية.

إن العالم اليوم يتجه نحو منافسة شرسة في جذب الاستثمارات الكبرى، والدول التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تملك الأموال أكثر، بل تلك التي تملك رؤية استراتيجية، وإدارة قوية، وقوانين مستقرة، وكفاءات قادرة على التفاوض بذكاء وحماية المصالح العليا للوطن.

ومن هنا، فإن على أصحاب القرار في الدول الصاعدة أن ينظروا إلى هذه الشراكات باعتبارها وسيلة لتحقيق التنمية وتسريع الإنجاز، لا باعتبارها تنازلاً عن السيادة. فالفرق كبير بين شراكة ذكية تخدم الوطن، واتفاقية ضعيفة تُحوّل الثروات الوطنية إلى امتيازات طويلة الأمد بلا مقابل حقيقي.

كما أن المرحلة المقبلة تفرض إعطاء الأولوية للمشاريع المنتجة للقيمة المضافة، مثل الموانئ الصناعية، والقطارات السريعة، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والنقل الحضري الذكي، لأنها ليست مجرد منشآت إسمنتية، بل أدوات لصناعة اقتصاد قوي وجلب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

إن الدول التي تريد دخول نادي القوى الاقتصادية الصاعدة مطالبة اليوم بالجمع بين الطموح والحكمة: الطموح في بناء مشاريع كبرى تليق بمستقبل شعوبها، والحكمة في التفاوض على عقود عادلة ومتوازنة تحفظ حقوق الأجيال القادمة.

فالنجاح الحقيقي لا يكمن فقط في تشييد ميناء أو مطار أو طريق سيار، بل في بناء نموذج تنموي يجعل من كل مشروع رافعة للسيادة الاقتصادية، ومحركاً للتشغيل، وجسراً نحو التنمية المستدامة.

الدكتور: نورالدين البركاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *