كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟

أريفينو.
بقلم / الدكتور : نورالدين البركاني.

سؤال قد يبدو صادمًا، لكنه يستحق منا وقفة صادقة وشجاعة مع الذات.
هذا المقال لا يهدف إلى اتهام أحد أو تبرئة أحد، بل إلى فتح نقاش حقيقي حول سلوكياتنا اليومية، واختياراتنا، ومواقفنا، ومدى مساهمتنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة بعض الأزمات التي نعيشها.
لماذا نشتكي من الفوضى ونحن أحيانًا نمارسها؟
ولماذا ننتقد الفساد بينما نتسامح معه حين يخدم مصالحنا؟
وكيف نطالب بمنتخبين جيدين ونحن من نصنع جزءًا من المشهد الانتخابي بسلوكنا أو بصمتنا أو بعزوفنا؟
أتمنى من كل من يقرأ هذا المقال أن يشاركه مع أسرته وأصدقائه، وأن يتحول إلى موضوع نقاش داخل البيت، وفي المقهى، وفي مقر العمل، وبين الشباب، لأن نهضة المجتمعات تبدأ دائمًا بالنقاش الصادق، وبالوعي، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن الحلول.
كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟
هذا المقال يجب يقرأه جميع المواطنين،
كيف نصنع بأيدينا المشاكل التي نشتكي منها؟
بقلم الدكتور نورالدين البركاني
كثيرًا ما نسمع المواطنين يشتكون من سوء الخدمات، وضعف بعض المنتخبين، وانتشار الفساد، وفوضى الشوارع، ورداءة بعض المرافق العمومية، وتراجع القيم، وكأن كل هذه المشاكل نزلت من السماء أو صُنعت بعيدًا عن المجتمع.
لكن الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن جزءًا كبيرًا من هذه المشاكل يبدأ من المواطن نفسه، من سلوكه اليومي، ومن طريقة تفكيره، ومن مواقفه، ومن اختياراته، ومن صمته أحيانًا، ومن استهتاره أحيانًا أخرى.
فالمجتمع لا يُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل يُبنى أيضًا بالأخلاق والسلوك والمسؤولية الفردية والجماعية.
من السهل أن نوجه أصابع الاتهام إلى الدولة أو الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية، لكن من الصعب أن يقف الإنسان أمام المرآة ويسأل نفسه:
ماذا قدمت أنا كمواطن؟
هل أحترم القانون؟
هل أؤدي واجباتي كما أطالب بحقوقي؟
هل أساهم في تحسين المجتمع أم في إفساده؟
فكم من مواطن يشتكي من الفساد، لكنه يبحث عن “المعرفة” و”الوساطة” لقضاء أغراضه؟
وكم من شخص ينتقد الرشوة، لكنه يقدمها حين تضيق به الأمور؟
وكم من سائق يلعن حوادث السير، لكنه لا يحترم إشارات المرور ولا يضع حزام السلامة؟
وكم من مواطن يطالب بالنظافة، لكنه يرمي الأزبال في الشارع أو من نافذة السيارة؟
وكم من شخص يهاجم ضعف المنتخبين، لكنه يوم الانتخابات يصوت على أساس القرابة أو المال أو المصلحة الضيقة، أو يختار العزوف عن التصويت ثم يعود بعد ذلك للشكوى؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن البرلمانيين والمنتخبين، في جزء كبير منهم، ليسوا كائنات نزلت من كوكب آخر، بل هم نتاج المجتمع نفسه.
فالناخب الذي يبيع صوته بالمال، أو يصوت بدافع العصبية القبلية أو العائلية، أو يقاطع الانتخابات بدافع اللامبالاة، يساهم بشكل مباشر في إنتاج مشهد سياسي ضعيف.
حين يعزف أصحاب الكفاءة والنزاهة عن المشاركة السياسية، ويفسح المجال لأصحاب المال والنفوذ، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة مؤسسات لا ترقى إلى تطلعات المواطنين.
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، بل بوعي الناخب أيضًا.
فالصوت الانتخابي ليس ورقة تُرمى في الصندوق، بل أمانة ومسؤولية ومستقبل أمة.
السلوك اليومي أخطر من بعض القوانين
هناك دول لا تتوفر على ثروات طبيعية كبيرة، لكنها نجحت بفضل انضباط مواطنيها واحترامهم للقانون والعمل والنظام.
وفي المقابل، توجد مجتمعات تتوفر على إمكانيات هائلة لكنها تعاني بسبب الفوضى وضعف الوعي الجماعي.
فاحترام الطابور، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء الضرائب، واحترام الوقت، والنظافة، والانضباط في العمل، والتعامل بأخلاق… كلها ليست تفاصيل صغيرة، بل أساس بناء الدول المتقدمة.
فالمواطن الذي يكسر مقعدًا في حديقة عمومية، أو يخرّب مصباحًا في الشارع، أو يكتب على جدران المؤسسات، هو في الحقيقة يعتدي على ممتلكاته هو وعلى أموال المجتمع كله.
والموظف الذي لا يؤدي عمله بإخلاص، والتاجر الذي يغش، والأستاذ الذي يهمل، والحرفي الذي لا يتقن عمله، والسائق الذي يستهتر بأرواح الناس… كلهم يساهمون بدرجات مختلفة في تعطيل التنمية.
من أكبر المشاكل التي نعاني منها اليوم أن البعض يريد كل الحقوق، لكنه لا يريد أداء الواجبات.
يريد طرقًا جيدة لكنه لا يحترم قوانين السير.
يريد إدارة محترمة لكنه لا يحترم المواعيد والنظام.
يريد تعليمًا جيدًا لكنه لا يشجع أبناءه على الانضباط والاجتهاد.
يريد نظافة في المدينة لكنه لا يحافظ على نظافتها.
يريد سياسيين نزهاء لكنه يصفق أحيانًا للفاسدين إذا كانت لهم مصلحة معه.
وهنا يكمن الخلل الحقيقي.
لا يمكن لأي حكومة أو حزب أو قانون أن ينجح وحده إذا لم يتغير الإنسان نفسه.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من التربية، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن المسجد، ومن القدوة الحسنة.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيم الصدق، والجدية، والانضباط، والعمل، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما نحتاج إلى تربية الأجيال الجديدة على المواطنة الحقيقية، لا على الاتكالية وانتظار الحلول من الآخرين.
ماذا يمكن أن نفعل؟
هناك خطوات بسيطة لكنها مؤثرة، إذا التزم بها كل فرد يمكن أن تغير الكثير:
🔹احترام القانون في الحياة اليومية.
🔹عدم المشاركة في الرشوة أو تشجيعها.
🔹التصويت الواعي والمسؤول أو المشاركة الإيجابية في الشأن العام.
🔹احترام الفضاءات والممتلكات العمومية.
🔹تربية الأبناء على القيم والسلوك المدني.
🔹تشجيع الكفاءات النزيهة بدل أصحاب المال والنفوذ فقط.
🔹نشر ثقافة العمل والإتقان والاحترام.
🔹محاربة السلبية واليأس والإشاعات.
الوطن لا يبنيه السياسي وحده، ولا الموظف وحده، ولا رجل السلطة وحده، بل يبنيه المواطن أيضًا.
وكل مجتمع لا يراجع سلوك أفراده قبل مهاجمة الآخرين سيظل يدور في الحلقة نفسها.
صحيح أن هناك مسؤوليات تقع على الدولة والمؤسسات، وصحيح أن الإصلاح السياسي والإداري ضروري، لكن من الضروري أيضًا أن نعترف بأن المواطن يتحمل بدوره جزءًا من المسؤولية.
فحين يتغير سلوك الإنسان، تتغير الأسرة، ويتغير الشارع، وتتغير الإدارة، ويتغير المجتمع بأكمله.
ولهذا، ربما حان الوقت لكي نتوقف قليلًا عن سؤال: “ماذا قدم الوطن لنا؟”
ونبدأ أيضًا بسؤال أنفسنا: “ماذا قدمنا نحن للوطن؟”
د. نورالدين البركاني
