نورالدين البركاني , يكتب : العالم في حاجة إلى حكماء لا صانعي صراعات

أريفينو/ 29 أبريل 2026
بقلم / الدكتور : نورالدين البركاني.

في هذا الكون الواسع، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك التحديات، لا يمكن للإنسان أن يسير بخفة أو سطحية، بل يحتاج إلى زادٍ من الصبر العميق والبصيرة الهادئة. فالحياة ليست سباقًا نحو المكاسب السريعة، بل مسار طويل تُختبر فيه الإرادة، وتُصقل فيه القيم، ويُقاس فيه معدن الإنسان بقدرته على التحمل والتوازن.
إن الصبر ليس مجرد انتظار، بل هو قوة داخلية تُعين الإنسان على مواجهة الصعاب دون أن يفقد إنسانيته أو ينحرف عن مبادئه. وهو في جوهره مدرسة تُعلّمنا كيف نُدير خلافاتنا، ونحتوي اختلافاتنا، ونُحوّل الأزمات إلى فرص للتعلم والنضج.
غير أن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى فئة خاصة من الناس: عقلاء متشبعين بثقافة السلم، يؤمنون بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنوع ليس تهديدًا بل ثراء. كما يحتاج إلى حكماء لا يكتفون بتشخيص الأزمات، بل يبدعون حلولًا عملية تُخفف معاناة الناس وتُعيد الثقة في المستقبل.
فلا يمكن أن تُبنى الطمأنينة على أسس هشة من الحقد والكراهية، ولا أن يتحقق السلم بسياسات تقوم على المكر والخداع والدسائس. لأن هذه الأساليب، وإن بدت ناجحة على المدى القصير، فإنها تُنتج أزمات أعمق وتُغذي دوامات من العنف وعدم الاستقرار.
ومن أخطر ما يُهدد المجتمعات أيضًا تلك العقليات الإقصائية التي تختزل الحقيقة في جهة واحدة، وتُصنف الناس بين ناجٍ وهالك، على شاكلة القول: “أنا ومن معي إلى الجنة، ومن خالفنا إلى الجحيم.” أو تلك النظرة الأنانية الضيقة التي لا ترى أبعد من مصالحها اللحظية: “أنا ومن معي… ومن بعدنا الطوفان.”
فهذه الشعارات، وإن اختلفت في ظاهرها، تتقاطع في جوهرها: رفض الآخر، وإنكار حقه في الوجود والاختلاف.
إن بناء عالم آمن ومتوازن يمر عبر ترسيخ قيم التسامح والتعايش، وإعلاء صوت العقل والحكمة بدل الانفعال والتعصب. فالمجتمعات لا تنهض بالقوة وحدها، بل تنهض قبل ذلك بالفكرة، وبالقدرة على الإصغاء، وبالاستعداد للبحث عن المشترك الإنساني الذي يجمع ولا يُفرق.
وفي النهاية، يظل الأمل معقودًا على الإنسان الواعي، الذي يُدرك أن مسؤوليته لا تقف عند حدود ذاته، بل تمتد لتشمل محيطه ومجتمعه والعالم من حوله. إننا بحاجة إلى جيل يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالتعاون لا بالصراع، وبالحكمة لا بالمكر، وبالإنصاف لا بالإقصاء.
فحين ينتصر العقل، ويقترن بالصبر، وتُوجَّه الإرادة نحو الخير المشترك، يصبح العالم أكثر إنسانية… وأكثر قابلية للحياة.
الدكتور : نورالدين البركاني.