أرض بلا بشر ومياه بلا ضفاف.. هكذا أعادت الطبيعة رسم خريطة سهول اللوكوس بقسوة

أريفينو : 5 فبراير 2026
في مشهد لم تألفه منطقة حوض اللوكوس تاريخيا، يبرز “فراغ مخيف” يلف الدواوير والسهول المحيطة بمدينة القصر الكبير. المنطقة التي كانت توصف بـ”خزان المغرب الغذائي” تحولت الآن إلى مساحة مائية صامتة، خالية تماما من البشر، وحتى من “مخيمات اللجوء” التي اختفت آثارها من الميدان.
فعند النقطة الكيلومترية الفاصلة بين المدار الحضري والمجال القروي، تكشف المعاينة الميدانية عن تحول جذري في استراتيجية إدارة الكارثة؛ إذ استحالت الأرضية الطينية، التي كانت حتى وقت متأخر من يوم أمس تضج بحركة النازحين والخيام الزرقاء لفرق الإغاثة، إلى أرض قاحلة موحلة صباح الأربعاء.
فلم يعد هناك أي أثر للخيام أو طوابير سيارات الإسعاف، بعدما سارعت السلطات إلى تفكيك هذه النقاط الميدانية بالكامل، مرحلة السكان عبر قوافل من الحافلات والشاحنات العسكرية نحو مراكز إيواء صلبة داخل القصر الكبير، أو باتجاه مدن العرائش وطنجة، تاركة خلفها منطقة عازلة يلفها الصمت والخواء.
وفي عمق السهل، وتحديدا صوب دواوير “أولاد حميد” و”السواكن” الواقعة في المجرى المباشر للفيضان، يطغى اللون البني للمياه العكرة على كافة تفاصيل الجغرافيا، حيث اختفت الطرقات المعبدة والمسالك الترابية تحت منسوب مياه يتجاوز المترين في النقاط المنخفضة.
وبينما تبرز أسطح المنازل الإسمنتية كجزر معزولة وسط الطوفان، تظهر الأبواب الحديدية للمستودعات الفلاحية وقد اقتلعتها قوة التيار المائي، كاشفة عن فراغ داخلي يؤكد نجاح عملية “الإفراغ الشامل” التي سبقت وصول ذروة السيول.
ولا تكسر سكون هذا المجال المائي المغلق سوى حركة زوارق “الزودياك” التابعة للبحرية الملكية والوقاية المدنية، التي لم تعد تقوم بعمليات إنقاذ – لانتفاء وجود أشخاص – بل تنفذ دوريات “مسح أمني” بطيئة وحذرة، هدفها منع أي محاولات تسلل من طرف الملاك الذين قد يغامرون بالعودة لتفقد ضيعاتهم.
وتدور محركات هذه الزوارق بصوت خافت وسط هدوء مطبق، لا يقطعه إلا هدير المياه المتدفقة من مفرغات سد “وادي المخازن” التي تواصل عملها بأقصى طاقة لتخفيض حقينة السد القياسية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تبدو آثار الدمار شاخصة للعيان؛ فحقـول الشمندر السكري، التي تعد الزراعة الرئيسية في المنطقة، باتت مغمورة كليا، ما يعني تلفا محققا للمحصول.
وفيما غادر الفلاحون، بقيت الماشية تواجه مصيرها وحيدة؛ إذ تتكدس مجموعات صغيرة من الأبقار فوق تلال ترابية ضيقة أو أسطح مبان لم تغمرها المياه بعد، بينما رصدت جثث لحيوانات نافقة عالقة بين جذوع أشجار الأوكالبتوس التي جرفتها السيول، في مشهد يوثق الخسارة المادية الفادحة لساكنة تعتمد مداخيلها حصريا على الرعي والزراعة.
وبالتوازي مع ذلك، يفرض الطوق الأمني المضروب على المنطقة عزلة تامة، حيث تغلق حواجز الدرك الملكي كافة المنافذ الفرعية المؤدية للوادي، معلنة ضمنيا حوض اللوكوس “منطقة منكوبة” ومغلقة. وليكون بذلك صباح الأربعاء مختلفا عن سابقيه؛ إنه صباح “ما بعد الإخلاء”، حيث استردت الطبيعة مجراها القديم بقوة، تاركة الإنسان خارج المعادلة مؤقتا، في انتظار انحسار مياه أعادت رسم جغرافية المكان.