الإدارة المغربية بين هاجس المساطر ورهان النتائج..

أريفينو.
✍️ بقلم: نورالدين البركاني
في عالم يتسارع فيه الزمن التنموي بشكل غير مسبوق، لم يعد مقبولًا أن تظل وتيرة الإنجاز بطيئة أو رهينة مساطر تقليدية لا تستجيب لمتطلبات الواقع. فالمغرب، وهو يطمح بجدية إلى الالتحاق بركب الدول الصاعدة والمتقدمة، يجد نفسه أمام ضرورة ملحة لتسريع وتيرة التنمية، ليس كشعار سياسي، بل كخيار استراتيجي لا يقبل التأجيل.
إن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب وصفة سحرية بقدر ما يستدعي تغييرًا عميقًا في طرق التفكير والتدبير داخل الإدارة المغربية. فالإشكال في كثير من الأحيان لا يكمن في نقص القوانين أو غياب البرامج، بل في كيفية تنزيلها وتفعيلها على أرض الواقع. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن للإدارة أن تنتقل من منطق التنفيذ الحرفي الجامد إلى منطق المبادرة والإبداع داخل إطار القانون؟
لقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية لا تتحقق فقط عبر سن القوانين، بل عبر مرونة تطبيقها، والقدرة على تكييفها مع خصوصيات كل مشروع وكل مجال. فاعتماد منطق رياضي بسيط من قبيل (A + B = C) في تدبير الشأن الإداري لا يصلح في عالم معقد ومتغير، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبشرية بشكل يصعب اختزاله في معادلات جاهزة.
الإدارة الحديثة مطالبة اليوم بأن تتحلى بقدر من الليونة، دون المساس بمبدأ سيادة القانون. فالليونة لا تعني الفوضى، بل تعني القدرة على إيجاد حلول قانونية مبتكرة لتجاوز التعقيدات، وتسريع المساطر، وتشجيع الاستثمار، وتحفيز المبادرات. وهذا ما نراه في العديد من الدول المتقدمة، حيث تلعب الإدارة دور “المُيَسِّر” بدل أن تكون عائقًا أمام المشاريع.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك، اعتماد بعض الدول لمبدأ “الترخيص الضمني”، حيث يُعتبر سكوت الإدارة بعد مرور أجل معين موافقة تلقائية، وهو ما يساهم في تقليص البيروقراطية. كما أن رقمنة الخدمات الإدارية واعتماد الشباك الوحيد ساهما في تسريع معالجة الملفات، وتقليص الاحتكاك المباشر، والحد من مظاهر الفساد.
وفي السياق المغربي، تم تحقيق خطوات مهمة في هذا الاتجاه، من خلال تبسيط المساطر الإدارية، وإطلاق عدد من المنصات الرقمية، وتحسين مناخ الأعمال. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى نفس جديد يقوم على الجرأة في اتخاذ القرار، وتحميل المسؤولية، وربط المحاسبة بالنتائج.
إن تسريع التنمية يمر أيضًا عبر إعادة الاعتبار للعنصر البشري داخل الإدارة، من خلال تحفيز الكفاءات، وتكوين الأطر، واعتماد معايير واضحة في التعيين والترقية، قائمة على الاستحقاق والنجاعة. فالإدارة القوية هي التي تستثمر في مواردها البشرية وتمنحها الثقة لاتخاذ المبادرة.
كما أن تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، يعد شرطًا أساسيًا لتفادي تضارب الاختصاصات وتعطيل المشاريع. فكم من مشروع تأخر أو تعثر بسبب تعدد المتدخلين وغياب رؤية موحدة!
ومن جهة أخرى، فإن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في بلورة وتنفيذ السياسات العمومية يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، لما يتيحه من مرونة، وابتكار، وقرب من انتظارات المواطنين.
توصيات عملية لتسريع التنمية:
تبسيط المساطر الإدارية بشكل فعلي، وليس فقط نظري.
تعميم الرقمنة وربط الإدارات فيما بينها لتبادل المعطيات بسرعة.
اعتماد آجال ملزمة للإدارة في معالجة الملفات، مع تفعيل مبدأ “السكوت الإيجابي”.
تحفيز الموظفين على الابتكار واتخاذ المبادرة، مع حمايتهم قانونيًا عند الاجتهاد بحسن نية.
تقوية آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تشجيع التجارب النموذجية (Pilot projects) لتجريب حلول جديدة قبل تعميمها.
في الختام، إن رهان تسريع التنمية بالمغرب ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة قوية، وعقليات متجددة، وإدارة مرنة ومبدعة. فالتقدم لا ينتظر المترددين، ومن لا يسرع الخطى اليوم، قد يجد نفسه خارج السباق غدًا.
تسريع التنمية ليس خيارًا… بل ضرورة وطنية.
✍️ بقلم: نورالدين البركاني