البركاني يكتب .. الرياضة في المغرب بين إرادة الإصلاح وتحديات التدبير..

أريفينو: 30 أبريل 2026
الدكتور : نور الدين البركاني.

تُعدّ الرياضة في المغرب إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع متوازن ومتماسك، فهي ليست مجرد نشاط ترفيهي أو تنافسي، بل أضحت أداة فعالة للتنمية البشرية والاندماج الاجتماعي وتعزيز صورة البلاد على الصعيد الدولي. فمن خلال الإنجازات التي حققها الرياضيون المغاربة في مختلف المحافل، أصبحت الرياضة مرآة تعكس طموحات الأمة وقدرتها على التميز. ومع ذلك، فإن هذا القطاع ظل لسنوات طويلة يعاني من اختلالات بنيوية أثرت على مردوديته، رغم توفر الإمكانات البشرية والطبيعية التي تؤهله ليكون في مصاف الدول الرائدة رياضياً.
في هذا السياق، برز الدور المحوري الذي اضطلع به محمد السادس، الذي جعل من الرياضة رافعة استراتيجية ضمن مشروعه التنموي الشامل. فمنذ اعتلائه العرش، تم إطلاق مجموعة من الأوراش الكبرى التي همّت تأهيل البنيات التحتية الرياضية، من ملاعب ومراكز تدريب، إلى جانب دعم برامج التكوين واستقطاب الكفاءات. كما حرص جلالته على ترسيخ ثقافة الاحتراف داخل المنظومة الرياضية، وتشجيع الاستثمار في هذا المجال، سواء من طرف القطاع العام أو الخاص. وقد أثمرت هذه الرؤية نتائج ملموسة، تجلت في تحسن أداء المنتخبات الوطنية، وتعزيز مكانة المغرب كوجهة لاحتضان التظاهرات الرياضية الدولية.
ومن بين المحطات المهمة في مسار إصلاح القطاع الرياضي، تبرز مناظرة الصخيرات التي شكلت لحظة تأمل جماعي في واقع الرياضة الوطنية. فقد جمعت هذه المناظرة مختلف المتدخلين من مسؤولين وخبراء وفاعلين رياضيين، وطرحت مجموعة من القضايا الجوهرية المرتبطة بالحكامة، والتمويل، والتكوين، والتشريع. وأسفرت عن توصيات مهمة كان من شأنها أن تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الشأن الرياضي. غير أن الإشكال لم يكن في غياب التشخيص أو الحلول، بل في ضعف تفعيل هذه التوصيات على أرض الواقع، مما جعل العديد من الإصلاحات تبقى حبيسة الوثائق والتقارير.
وفي مقابل هذا التعثر، برزت تجارب ناجحة أثبتت أن الإصلاح ممكن إذا توفرت الإرادة والرؤية الواضحة، ومن أبرزها تجربة أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي شكلت نموذجاً رائداً في مجال التكوين الرياضي. فقد اعتمدت هذه الأكاديمية مقاربة متكاملة تجمع بين التكوين الرياضي والتعليم الأكاديمي، في بيئة احترافية تستجيب لأعلى المعايير الدولية. وقد ساهمت في بروز جيل جديد من اللاعبين الذين تألقوا داخل المغرب وخارجه، وأكدت أن الاستثمار في الفئات الصغرى هو الأساس لأي نهضة رياضية حقيقية. إن نجاح هذه التجربة يطرح بإلحاح ضرورة تعميمها على باقي الرياضات، بدل حصرها في كرة القدم فقط.
وفي نفس الاتجاه، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه فوزي لقجع في تطوير كرة القدم الوطنية، حيث شهد هذا القطاع خلال فترة رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تحولات نوعية على مستوى الحكامة والتدبير. فقد تم إرساء قواعد أكثر شفافية، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز دعم الأندية، والاهتمام بالفئات الصغرى، إضافة إلى تحسين ظروف عمل اللاعبين والأطر التقنية. وقد انعكست هذه الإصلاحات بشكل مباشر على أداء المنتخب الوطني، الذي حقق نتائج متميزة على الصعيدين القاري والدولي، مما ساهم في تحسين ترتيب المغرب عالمياً وإعادة الثقة في كرة القدم الوطنية.
غير أن هذه النجاحات، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تحجب واقعاً أكثر تعقيداً، يتمثل في استمرار مجموعة من الاختلالات التي تعاني منها الرياضة المغربية، خاصة على مستوى باقي التخصصات. فالحكومات المتعاقبة لم تنجح في بلورة سياسة رياضية شمولية ومندمجة، قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها هذا القطاع عالمياً. كما ظل الاستثمار العمومي في الرياضة محدوداً وغير متوازن، حيث يتم التركيز بشكل كبير على كرة القدم على حساب باقي الرياضات، التي تعاني من ضعف الدعم وقلة الإمكانيات. ويضاف إلى ذلك غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، مما يؤدي إلى تشتت الجهود وغياب النجاعة في التدبير.
ومن بين الإشكالات التي أثرت سلباً على تطور الرياضة في المغرب، قرار دمج قطاع الرياضة ضمن وزارة التربية الوطنية، وهو خيار لم يحقق الأهداف المرجوة، بل ساهم في تراجع بعض الرياضات، وعلى رأسها ألعاب القوى التي كانت تشكل في الماضي أحد أبرز مصادر التميز المغربي. فقد أدى هذا الدمج إلى تهميش القطاع الرياضي، وجعله تابعاً لأولويات أخرى، مما أضعف من قدرته على التخطيط الاستراتيجي واتخاذ المبادرات اللازمة. كما أثر ذلك على الحكامة، حيث غابت المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر للبرامج والمشاريع الرياضية.
وأمام هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في النموذج المعتمد لتدبير الشأن الرياضي، من خلال تبني مجموعة من الإصلاحات العملية. وفي مقدمتها إحداث وزارة مستقلة تعنى بالرياضة، تكون لها صلاحيات واضحة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، تمكنها من التنسيق بين مختلف الفاعلين وضمان انسجام السياسات العمومية في هذا المجال. كما ينبغي العمل على تفعيل توصيات مناظرة الصخيرات، وربطها بآليات للتتبع والتقييم، لضمان تنفيذها بشكل فعلي.
ومن جهة أخرى، يتعين تعميم نموذج أكاديمية محمد السادس لكرة القدم على باقي الرياضات، مع مراعاة خصوصيات كل تخصص، بما يضمن تكوين أبطال قادرين على المنافسة الدولية. كما يجب الاستثمار بشكل جدي في الرياضة المدرسية والجامعية، باعتبارها الخزان الأساسي للمواهب، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لتوفير الموارد اللازمة لتطوير البنيات التحتية ودعم الأندية. ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة الاعتبار للرياضات الفردية، وعلى رأسها ألعاب القوى، من خلال توفير برامج تكوين وتأطير حديثة، وتحفيز الأبطال على الاستمرار والعطاء.
وفي الختام، يمكن القول إن الرياضة في المغرب تقف اليوم عند مفترق طرق، بين مكتسبات تحققت بفضل الرؤية الملكية والمبادرات الناجحة في بعض المجالات، وبين تحديات حقيقية تتطلب إصلاحات عميقة وشجاعة. فالرهان لم يعد يقتصر على تحقيق نتائج ظرفية أو إنجازات معزولة، بل أصبح مرتبطاً ببناء منظومة رياضية متكاملة ومستدامة، قادرة على الإسهام في التنمية الشاملة، وتعزيز مكانة المغرب على الساحة الدولية. إن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً بتعبئة جماعية، وإرادة سياسية قوية، واعتماد حكامة جيدة تضع مصلحة الرياضة والرياضيين في صلب الأولويات.
نور الدين البركاني