الثقافة الأمازيغية جسر للحوار: احتفال مغربي متميز برأس السنة الأمازيغية 2976

أريفينو : 20 يناير 2026
بقلم علي السعماري من المانيا
في أجواء احتفالية مميزة، نظمت جمعية تسغناس الذي يترأسها السيد سفيان همارحفلا ثقافيا وفنيا احتفاءً برأس السنة الأمازيغية 2976، بحضور وازن للمجلس الفيدرالي المغربي الألماني بألمانيا، إلى جانب عدد من المساجد والجمعيات المغربية المنضوية تحت لوائه، في لقاء جسّد عمق الارتباط بالهوية المغربية في أبهى صورها، داخل فضاء يعكس روح الانفتاح والتعايش.
وقد جاء هذا الحدث تحت شعار معبّر هو «المغرب المتعدد في إطار الوحدة»، ليترجم رؤية وطنية تؤمن بأن تنوع الروافد الثقافية يشكل مصدر قوة وغنى، لا عامل تفرقة. فتحول الحفل إلى فضاء نابض بالحياة، امتزجت فيه الألوان والأصوات والإيقاعات، ليحكي قصة شعب متجذر في التاريخ، ومتطلع إلى المستقبل بثقة واعتزاز.
وأثرت فقرات الحفل عروض فنية راقية قدمتها فرق فلكلورية أمازيغية، من بينها فرقة أولاد شيخ موحند، التي أبدعت في تقديم لوحات تراثية أصيلة، إلى جانب الفنان المتألق هشام الريفي ومجموعة من الأصوات الغنائية القادمة من مختلف مناطق المملكة، حيث تنوعت الأنماط الفنية بين الغناء الجماعي والإيقاعات التقليدية والرقصات التي تحمل في حركاتها ذاكرة الأجداد وروح الأرض. كما شكلت الأزياء التقليدية جزءا أساسيا من المشهد، بما تحمله من رموز ودلالات ثقافية عميقة.
ولم يقتصر الاحتفال على الجانب الفني فحسب، بل اكتسب بعدا إنسانيا واجتماعيا من خلال تقاسم الوجبة التقليدية الخاصة برأس السنة الأمازيغية، في لحظة دافئة جسدت قيم التآزر والتضامن، وأكدت أن الثقافة الأمازيغية ليست مجرد تعبير فني، بل نمط حياة قائم على المشاركة والتآخي والارتباط بالجماعة.
وقد بعث هذا اللقاء برسالة واضحة مفادها أن الاحتفاء بالتراث الأمازيغي هو احتفاء بالهوية المغربية الجامعة بكل مكوناتها، وأن الحفاظ على هذا الإرث الثقافي هو مسؤولية جماعية، سواء داخل الوطن أو في صفوف الجالية المغربية المقيمة بالخارج. كما أبرز الحدث الدور الحيوي الذي تلعبه الجمعيات المدنية في صون الذاكرة الثقافية وتعزيز قيم الانتماء والاعتزاز بالذات.
إن هذا الحفل لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل محطة للتأمل في معنى التنوع الثقافي باعتباره ثروة وطنية حقيقية، وللتأكيد على أن الأمازيغية، بتاريخها العريق وحضارتها الضاربة في عمق الزمن، تشكل ركيزة أساسية من ركائز الهوية المغربية الموحدة، التي تتسع لكل روافدها في انسجام وتكامل.
عرف الحفل الاحتفالي الذي نظمته جمعية تسغناس تخليدا لرأس السنة الأمازيغية 2976 حضورا نوعيا ووازنا لشخصيات أكاديمية وثقافية وجمعوية، ما أضفى على التظاهرة بعدا رمزيا ومعنويا عميقا، وعكس المكانة المتنامية التي تحظى بها الثقافة المغربية داخل أوساط الجالية المغربية بألمانيا، وكذلك لدى المجتمع الألماني.
ومن بين الشخصيات البارزة التي شرفت هذا الموعد الثقافي المتميز، الأستاذ والشاعر الأمازيغي جمال ألغازي، الذي يعد من الأصوات الأدبية المدافعة عن الثقافة واللغة الأمازيغيتين، والأستاذ أحمد بوجيدة، الكاتب العام للمجلس الفيدرالي المغربي الألماني، ورئيس قسم الثقافة المغربية بمدينة دورتموند، إضافة إلى السيد عبد العزيز الشامي، مدير البنك الشعبي بألمانيا، والأستاذ عبد الله بوجيدة، والدكتور محمد العبدوني رئيس جمعية أمانة، إلى جانب السيد محمد دغوش، رئيس إحدى الجمعيات بمدينة فوبرتال. كما سجل الحفل حضور عدد من المهندسين والأطباء المغاربة، في مشهد يعكس تنوع الكفاءات المغربية المهاجرة وارتباطها الوثيق بجذورها الثقافية.
وقد تميز هذا الحدث بحضور نسائي لافت، حيث تألقت النساء المغربيات بارتداء الزي التقليدي الأمازيغي بمختلف أنماطه وألوانه، ما منح للحفل بعدا جماليا ورمزيا خاصا، وكرّس المكانة المرموقة للمرأة المغربية باعتبارها حاملة للذاكرة الثقافية وحارسة للتقاليد الأصيلة. وقد شكل هذا الحضور النسائي القوي رسالة بليغة تؤكد دور المرأة في الحفاظ على الهوية ونقلها عبر الأجيال.
كما عرف الحفل مشاركة ضيوف ألمان لبوا الدعوة، من بينهم برلماني في البوندستاغ السيد هيلكر ليند، إلى جانب ممثلين عن بلدية المدينة، الذين عبروا عن اهتمامهم وتقديرهم لهذا التنوع الثقافي المغربي الغني. وقد أتاح هذا التفاعل فرصة حقيقية للتعريف بالثقافة الأمازيغية والمغربية عموما، وتعزيز قيم الحوار والتعايش والانفتاح بين الثقافات.
وفي ختام هذا العرس الثقافي، تم تقديم شهادة تقديرية للشاعر الأمازيغي جمال ألغازي، عرفانا بإسهاماته الأدبية والثقافية، وتقديرا لجهوده في خدمة اللغة الأمازيغية والدفاع عن قضايا الهوية والثقافة المغربية، في لحظة مؤثرة لقيت استحسانا كبيرا من الحضور.
لقد شكل هذا الحفل أكثر من مجرد احتفاء برأس السنة الأمازيغية، بل كان مناسبة لتجديد العهد مع القيم الأصيلة للثقافة المغربية، وللتأكيد على أن التنوع الثقافي يشكل جسرا للتواصل بين الشعوب، وعنصرا أساسيا في بناء مجتمع متماسك، يحترم الاختلاف ويحتفي به في إطار الوحدة والانتماء المشترك

