الحج لمن استطاع إليه سبيلاً..

أريفينو : 02 يونيو 2025

يُعدّ الحج أحد الأركان الخمسة للإسلام، فرضه الله تعالى على المسلمين المكلّف مرة واحدة في العمر، لمن توفرت فيه الشروط، وعلى رأسها الاستطاعة. والحج شعيرة عظيمة، تُقام سنويًا في شهر ذي الحجة، ويجتمع فيها ملايين المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، في مشهد روحي فريد، يعبّر عن وحدة الأمة الإسلامية وتساوي أبنائها أمام الله، بعيدًا عن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

إن الحج ليس مجرد انتقال جسدي إلى مكة المكرمة، بل هو رحلة إيمانية وروحية تهدف إلى:

تطهير النفس من الذنوب والمعاصي.

تحقيق المساواة بين البشر، إذ يلبس الجميع لباس الإحرام نفسه.

تعزيز قيم التضحية والصبر والخضوع لله.

تقوية الروابط بين المسلمين من مختلف الأقطار.

إحياء ذكرى سيدنا إبراهيم عليه السلام في مواقف الإيمان والتسليم.

رغم المقاصد النبيلة لهذه الشعيرة، أصبحت تكاليف أداء فريضة الحج اليوم مرتفعة بشكل يفوق طاقة الكثيرين، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود أو المتوسط. في بعض الدول، مثل المغرب، تصل تكلفة الحج إلى ما بين 63.000 و100.000 درهم أو أكثر، دون احتساب المصاريف الإضافية. وهو ما يجعل تحقيق هذا الركن بعيد المنال بالنسبة لفئات عريضة من المواطنين. وترتبط هذه الظاهرة بعدة أسباب:

ارتفاع أثمنة النقل الجوي والإقامة.

الرسوم التنظيمية والضريبية المفروضة.

ارتفاع الطلب مقابل محدودية الحصص (الكوطا) المخصصة لكل بلد.

الاحتكار أو تدخل بعض الوسطاء أو الوكالات في رفع الأسعار.

البنية التحتية المكلفة في موسم الحج بالمملكة العربية السعودية.

هل يعقل أن يشتغل الإنسان الفقير أو متوسط الدخل طيلة حياته، ويحرم نفسه وأبناءه من أبسط ضروريات العيش الكريم كالتعليم الجيد، السكن اللائق، والتغطية الصحية، من أجل أداء فريضة الحج؟
أليس من الأجدر أن يُراعى مفهوم الاستطاعة كما ورد في النص القرآني: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً” [آل عمران: 97]. فالاستطاعة ليست فقط القدرة الجسدية، بل تشمل أيضًا:

الاستطاعة المالية دون إضرار بالنفس أو الأسرة.

توفر الأمن في السفر والتنقل.

سلامة البدن.

وبناء عليه، فإن من لا يملك من المال ما يكفي للحج دون أن يخلّ بواجباته تجاه أسرته ومعيشته، فهو غير مُطالَب شرعًا بالحج، ولا يُعدّ مقصّرًا في دينه.

ومن أجل تسهيل فريضة الحج يجب على الجهات المعنية :

إعادة النظر في توزيع الحصص (الكوطا) الممنوحة للدول الإسلامية بما يتماشى مع الكثافة السكانية.

تشجيع الحج بالتقسيط المنضبط، شريطة ألا يؤثر على المعيشة اليومية.

إعفاء الحجاج لأول مرة من بعض الرسوم أو الضرائب.

وضع برامج اجتماعية خاصة لفائدة كبار السن والمعوزين.

اعتماد مبدأ الشفافية والعدالة في قرعة الحج.

العمل على توعية الناس دينيًا بمفهوم الاستطاعة وعدم تحميل النفس ما لا تطيق.

خلاصة القول :
الحج عبادة عظيمة، لكن الله سبحانه وتعالى لم يُرِد بها أن تكون عبئًا ولا مشقةً تُخرج الناس من ضروريات عيشهم. فالدين يسر، والله غني عن تعذيب عباده، قال تعالى: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”. ومن هنا، فإن من واجب المجتمعات والدول والجهات المعنية أن تيسر هذه الفريضة وتعيدها إلى مقاصدها الأولى، لا أن تتحول إلى “عبادة للأغنياء فقط”، وتُقصى منها فئات واسعة من أبناء الأمة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *