الحسن بلعربي يكتب.. حين يبتلع البحر أحلام القرى

أريفينو
بقلم : الدكتور الحسن بلعربي

فتحتُ الجريدة، فاستوقفني العنوان: غرقُ مهاجرين مغاربيين في عرض البحر. لم تكن كلماتٌ عن غرباء، بل عن وجوهٍ أعرفها، عن أصواتٍ كانت تملأ أزقّة قريتي.
في القرى المغربية، حيث تتكئ الجبال على السماء وتمضي الحياة ببطء، كان الانتظار قدرًا يوميًا: انتظار المطر، وانتظار العائدين. رحل الأبناء بحثًا عن أفقٍ أوسع، تاركين خلفهم بيوتًا طينية ووعودًا مؤجلة.
ومع السنوات، عادت بعض الأحلام في شكل تحويلات مالية. تغيّرت ملامح القرى؛ بيوتٌ جديدة، مدارس، وضوءٌ يبدّد عتمة الغروب. كانت تلك الأموال تحمل أكثر من قيمتها: تعب الغربة وحنينًا صامتًا.
لكن ليس الجميع يعود. بعضهم تاه في الطريق، وبعضهم ابتلعه البحر. صاروا أسماءً تُتلى في الدعاء، وذكرياتٍ تسكن القلوب.
بين السطور، عاد إليّ وجه سعيد… صديقي القديم.
لم أعرفه يومًا ضاحكًا. كان الحزن يسكن عينيه منذ الطفولة، حتى لُقّب بيننا بـ“التعيس”. في مساءٍ خلف دكّان القرية، جلسنا معًا. سألني إن كنتُ ذاهبًا إلى الرباط. أخبرته بنجاحي، فابتسم ابتسامة خافتة وقال إنه كان يحلم بالدراسة ولكن الحلم كان أبعد من قدره.
ثم أشعل سيجارة وقال:
“سأهاجر. تعبت. أريد أن أريح أمّي.”
كان ينظر إلى الأفق كمن يرى طريقًا لا يُرى. نهض ومضى. ولم يعد.
وبعد أشهر، ابتلعه البحر.
البحر الذي صار مقبرةً مفتوحة، يبتلع الحالمين بصمت، ويترك القرى مثقلةً بأسمائهم.
هكذا تُروى الحكاية:
منهم من عاد ليبني، ومنهم من غاب ليبقى أثرًا.
وطنٌ يكبر بأبنائه… ويثقل بغيابهم.
ابن الناظور // الدكتور الحسن بلعربي