الدكتور عبد العزيز دحماني يكتب : الديمقراطية في زمن التكنولوجيا…

من حسنات التكنولوجيا أنها غيرت الكثير من المفاهيم، وما كان بالأمس من الطابوهات، أصبح اليوم موضعا للمسائلة والاستنطاق، ولم يعد للمسلمات موضعا في زمن الفايسبوك وجيل التيكتوك. لكن رغم ما للتكنولوجيا من حسنات، فإنها لم تستطع بعد أن تتجاوز من تجاوزهم التاريخ.
سابقا كانت المشاركة السياسية مقتصرة على الانخراط في الاحزاب السياسية والمشاركة في العملية الانتخابية إما إيجابيا بالتصويت أو سلبا بالمقاطعة، وبين هذا وذاك تختلف حجج كل فريق، بين من يرى في التصويت مساهمة في التغيير المؤسساتي، وبين من يرى فيه مجرد إعادة اجترار لنفس العملية التي لا جدوى منها في ظل استمرار نفس البنية السياسية وإعادة تدويرها، وكل له نصيب من الصواب في رأيه. غير أن السمة الأساسية لهذه المرحلة هي ارتباط نقاش المشاركة السياسية بدنو كل محطة انتخابية وينتهي بانتهائها، وما بقي منه يبقى مقتصرا على الصالونات بين النخبة أو في نقاش المقاهي بين الاصدقاء، إلى حين موعد الانتخابات الموالية.
اليوم وقد تغير منطق الأشياء في زمن العولمة، حيث أصبح النقاش في الأمور السياسية متاحا وبصفة مستمرة، ومواكبا لطول فترة الولاية الحكومية والبرلمانية عبر وسائل السوشل ميديا، ولم يعد لمفهوم العزوف السياسي نفس المعنى، حيث يظل المواطن مساهما ومشاركا في مختلف مراحل تدبير الشأن العام بصيغة غير مباشرة، عبر انتقاده المتواصل للسياسيين ولقرارات السياسات العمومية والسياسة العامة، وبالتالي لم يعد منطق ثنائية المشاركة والمقاطعة نفس مفهومها السابق، فكما يحق للمقاطع الانتقاد، يمكن حتى لمن صوت لحزب معين أن ينتقد تقصيره في التدبير متى بدا له ذلك ويصفق له متى نجح.
وهذا من حسنات زمن التكنولوجيا، حيث يمكن للحكومة الاستماع دائما إلى نبض الشارع، في الوقت الذي تكون منكبة ومنشغلة بتدبير ملفات استراتيجية.
لكن -ومتى ظهرت “لكن” في الكلام تحبط كل ما قبلها- رغم حسنات التكنولوجيا وما تحمله من إمكانيات لتوطيد الممارسة الديمقراطية، فإنها تحمل في ثناياها انتكاستها، هذه الأخيرة التي أنعمت على من كَفَّرَها بالأمس وبعد أن مكنته من الوصول إلى مراكز السلطة واستحلى ملذاتها ناسيا حجم مسؤوليتها، تنكر لمبادئها وانقلب على احدى أهم غاياتها، وهي التداول السلمي على السلطة، ظنا منه أن الديمقراطية تتوقف عنده، فمتى فاز وانتصر فهنا تكمن الديمقراطية، ومتى انتكس وانكسر فقد انتهت حدودها.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا، ويلبس الباطل جلباب الحق، ظاهره مناصرة حق المواطن وكرامته، والدفاع عن قدرته الشرائية، وباطنه غايات أخرى.
الحاصول… لسوء حظ هذه الحكومة أنها جاءت في سياق أزمات عالمية وطبيعية، أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، أزمة الجفاف، وفوق كل هذا تدبير مخلفات الحكومة السابقة لولايتين.
ولحسن حظنا أن هذه الأزمة لم تتزامن مع من كان قبلها، وإلا لرأينا الجحيم يمشي بيننا على رجليه، ويحتسي معنا فنجان قهوة على الرصيف.

د.عبد العزيز دحماني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *