المغرب في عهد محمد السادس: تحولات كبرى نحو اقتصاد صاعد وتنمية مستدامة بين مشاريع مهيكلة ورؤية استراتيجية جعلت من المملكة نموذجاً تنموياً صاعداً إقليمياً وإفريقياً..

أريفينو.
بقلم // الدكتور : نورالدين البركاني.

يشكل عهد جلالة الملك محمد السادس مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، حيث تميز برؤية إصلاحية شمولية ارتكزت على تحديث الدولة وتعزيز مكانتها إقليمياً ودولياً، عبر مشاريع كبرى همّت مختلف القطاعات الحيوية. فقد عرف المغرب، خلال هذا العهد، تحولات عميقة شملت البنية التحتية، والاقتصاد، والطاقة، والتنمية الاجتماعية، إلى جانب انفتاح استراتيجي على العمق الإفريقي.
لقد كان تحديث البنية التحتية أحد أبرز ملامح هذا العهد، حيث تم إطلاق مشاريع مهيكلة غيرت وجه البلاد بشكل جذري. ومن بين هذه المشاريع، القطار فائق السرعة “البراق”، الذي يعد الأول من نوعه في إفريقيا، والذي ساهم في تقليص المسافات وتعزيز التنقل بين المدن الكبرى. كما برز ميناء طنجة المتوسط كمنصة لوجستية عالمية جعلت المغرب مركزاً محورياً للتجارة الدولية، إلى جانب ميناء الناظور غرب المتوسط الذي يُنتظر أن يعزز الدينامية الاقتصادية بالجهة الشرقية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل أيضاً توسيع شبكة الطرق السيارة، وإطلاق مشاريع النقل الحضري كترامواي الرباط والدار البيضاء، مما ساهم في تحسين جودة الحياة وتيسير التنقل داخل المدن.
وفي مجال الطاقة، تبنى المغرب تحت القيادة الملكية توجهاً استراتيجياً نحو الطاقات النظيفة والمتجددة، في إطار رؤية بعيدة المدى لتحقيق الاستقلال الطاقي وحماية البيئة. وقد تجسد ذلك من خلال مشاريع رائدة، أبرزها محطة “نور” بورزازات، التي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، إلى جانب مشاريع طاقة الرياح التي انتشرت في عدة مناطق، مما جعل المغرب نموذجاً إقليمياً في مجال الانتقال الطاقي.
أما على المستوى الاقتصادي والصناعي، فقد عمل المغرب على تعزيز تنافسيته وجاذبيته للاستثمار، عبر إحداث مناطق صناعية حرة، واستقطاب شركات عالمية كبرى. ويبرز في هذا السياق مصنع “رونو” بطنجة، ومنصة القنيطرة الصناعية التابعة لمجموعة “PSA/ستيلانتيس”، اللذان ساهما في جعل المغرب قطباً صناعياً إقليمياً، خاصة في قطاع صناعة السيارات، مع ما وفره ذلك من فرص شغل وتنمية محلية.
وفي ما يتعلق بالتنمية الحضرية والمجالية، فقد أطلقت مشاريع طموحة لإعادة تأهيل المدن وتحسين جاذبيتها، مثل تهيئة وادي أبي رقراق بين الرباط وسلا، وتهيئة موقع بحيرة مارشيكا بالناظور، إلى جانب مشروع “طنجة الكبرى” وبرنامج “مدن بدون صفيح”، الذي هدف إلى تحسين ظروف عيش المواطنين والقضاء على السكن غير اللائق.
وعلى الصعيد الإفريقي والدولي، انتهج المغرب سياسة خارجية نشيطة قائمة على التعاون جنوب-جنوب، حيث أطلق مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يعكس رؤية تكاملية للتنمية المشتركة. كما عزز المغرب حضوره في القارة الإفريقية عبر استثمارات واتفاقيات متعددة، وتوج ذلك بعودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، مما أعاد له مكانته الطبيعية داخل محيطه الإفريقي.
ولم يغفل هذا العهد البعد الاجتماعي، حيث تم إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي استهدفت محاربة الفقر والهشاشة، إلى جانب ورش تعميم التغطية الصحية، وإصلاح منظومة التعليم من خلال برامج متعددة تهدف إلى تحسين جودة التكوين وإعداد الرأسمال البشري لمتطلبات المستقبل.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحكومات المتعاقبة باعتبارها شريكاً أساسياً في تنزيل هذه الأوراش الكبرى، حيث تضطلع بمهام التتبع والمراقبة، والسهر على حسن تنفيذ المشاريع وفق الجدول الزمني المحدد، إضافة إلى تعبئة الموارد المالية اللازمة، سواء من خلال التمويل الداخلي أو الشراكات الدولية، فضلاً عن ضمان صيانة هذه المشاريع وتوسعتها بما يواكب حاجيات التنمية المتزايدة.
وخلاصة القول، فإن عهد الملك محمد السادس يمثل نموذجاً تنموياً متكاملاً، يقوم على رؤية استراتيجية واضحة، تجمع بين الطموح والواقعية، وتضع المواطن في صلب الاهتمام، مع الحرص على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة تعزز مكانة المغرب كقوة صاعدة على المستويين الإقليمي والدولي.
نورالدين البركاني